نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ما لم يقله وزير الإعلام!, اليوم الخميس 18 يونيو 2026 01:56 مساءً
لا يكفي أن يعلن وزير الدولة للإعلام، الكاتب الصحفي ضياء رشوان، عدم رضاه عن حال الإعلام والصحافة في مصر، فهذه الحقيقة لم تعد محل خلاف بين أحد. فالتراجع في التأثير، وعزوف قطاعات واسعة من الجمهور عن متابعة كثير من المنصات الإعلامية، وتراجع الثقة في بعض المضامين والوجوه الإعلامية، كلها مؤشرات تؤكد أن الأزمة أصبحت أعمق من أن تُختزل في مجرد اعتراف بوجودها.
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد الاعتراف بالمشكلة؟ إذا كان وزير الإعلام غير راضٍ، وإذا كانت هناك -بحسب تصريحاته- إرادة لدى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لتحسين الأداء الإعلامي وتوفير المعلومات، فلماذا لا تزال العقبات ذاتها قائمة؟ وهل يرضى الوزير عن الطريقة التي يحصل بها الصحفي على المعلومات في كثير من الوزارات والمؤسسات الحكومية؟
وهل يرى أن منظومة المستشارين الإعلاميين تؤدي دورها في تسهيل تدفق المعلومات، أم أن بعضهم تحول إلى حائط صد بين الصحفي والمسؤول، وإلى ما يشبه حارس البوابة الذي يقرر ما يصل إلى الرأي العام وما يبقى خلف الأبواب المغلقة؟
وإذا كانت أزمة المعلومات معروفة منذ سنوات، فلماذا لم تتقدم الحكومة بمشروع قانون متكامل لحرية تداول المعلومات إلى البرلمان، لتنفيذ استحقاق دستوري تأخر أكثر من عقد كامل؟ وكيف يمكن للإعلام أن يمارس دوره الرقابي والتنويري في ظل غياب تشريع يضمن حق الوصول إلى المعلومات ويضع حدًا لثقافة الحجب والتكتم؟
وكان المنتظر من وزير جاء من قلب المهنة، وعرف أزماتها صحفيًا ونقيبًا للصحفيين لسنوات طويلة، أن يقدم تشخيصًا أكثر عمقًا للأزمة، وأن يضع أمام الرأي العام روشتة علاج واضحة وخارطة طريق محددة المعالم. فالأزمة لا تتعلق فقط بالمعلومات، وإنما تمتد إلى الحرية والتمويل والتدريب والكفاءة المهنية وآليات الإدارة والتطوير.
فهل يرضى الوزير عن هامش الحرية المتاح للإعلام والصحافة؟ وكيف يمكن لمهنة قامت في جوهرها على السؤال والبحث والاجتهاد أن تبدع وتؤثر إذا ضاقت مساحات الحركة أمامها؟ وكيف يمكن للإعلامي أن يقدم محتوى حيًا ومقنعًا إذا فقدت المهنة أهم مقوماتها، وهي القدرة على التفكير الحر والتعبير المسؤول؟
ثم ماذا عن أوضاع الصحفيين أنفسهم؟ وهل يرضى وزير الإعلام، وهو ابن هذه المهنة، عما آلت إليه أحوال آلاف الصحفيين الاقتصادية والمهنية؟ وكيف يمكن الحديث عن تطوير الإعلام بينما تتراجع دخول العاملين فيه إلى مستويات تلامس حدود الفقر لدى كثيرين؟ وكيف يُطلب من صحفي يواجه ضغوط الحياة اليومية أن يتفرغ للإبداع والتدقيق والتحقيق والاستقصاء، بينما ينشغل بالبحث عن مصدر دخل إضافي يؤمن له حياة كريمة؟
كما أن مراجعة المشهد الإعلامي لا تكتمل دون تقييم حقيقي للوجوه والقيادات التي أدارته خلال السنوات الماضية. فإذا كان الجميع يتفق على وجود أزمة، فلماذا يستمر بعض من كانوا جزءًا من أسبابها في مواقعهم؟ ولماذا لا يتم فتح الباب أمام الكفاءات القادرة على استعادة ثقة الجمهور والتواصل معه بلغة أكثر مهنية ومصداقية؟
إن إصلاح الإعلام لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للكفاءة والخبرة، وتوفر بيئة عمل تسمح للصحفي والإعلامي بأداء رسالته بحرية ومسؤولية، وتضمن تدفق المعلومات، وتحسن الأوضاع المادية للعاملين، وتعيد بناء الثقة بين الوسيلة الإعلامية وجمهورها.
فالإعلام ليس مشروعًا تجاريًا يبحث فقط عن الأرباح والخسائر، بل هو صناعة استراتيجية تمس الوعي الوطني بصورة مباشرة. وبناء الوعي العام، وحمايته من الشائعات والتضليل، وصون الرأي العام المستنير، ليست مهامًا هامشية، بل قضية أمن قومي بالمعنى الكامل للكلمة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته: هل سنظل نتبادل الاعتراف بوجود الأزمة، أم أن الوقت قد حان للانتقال من تشخيص المرض إلى بدء العلاج؟


















0 تعليق