نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سلسلة 200 عام على قصر العيني، نص رسالة كلوت بك الأخيرة إلى الخديوي إسماعيل, اليوم الأحد 12 يوليو 2026 04:07 صباحاً
في إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.

رسالة كلوت بك الأخيرة إلى الخديوي إسماعيل
في تاريخ الحركات العلمية، نادرًا ما نجد طبيبًا يربط مصيره ومستقبله ببلدٍ مغاير لمسقط رأسه كما فعل الطبيب الفرنسي النبيل "أنطوان برثيليمي كلوت" (كلوت بك).
فهذا الرجل الذي قضى في مصر ثلاثين عامًا هي أجمل سنوات شبابه، يؤسس فيها صرح "قصر العيني" الطبي العظيم، لم يكن مجرد موظف عابر، بل كان عاشقًا لتراب هذا البلد، ومعتبرًا مصر وطنه الثاني بلا منازع.
وحين غادر كلوت بك مصر عائدًا إلى فرنسا بعد رحلة عطاء حافلة، لم ينقطع حبل الود والولاء في قلبه. ومع اعتلاء الخديوي إسماعيل عرش مصر، لم يجد الطبيب العجوز -الذي وافته المنية لاحقًا عام 1868- بدًا من أن يسطر بيده خطابات مفعمة بالإنسانية والشجن، يهنئ فيها الحاكم الجديد، ويستنهض فيه روح جده العظيم "محمد علي باشا" لإعادة إحياء الأمجاد الطبية التي طالها الإهمال.
وجاء في نص الرسالة التاريخية من كلوت بك إلى الخديوي إسماعيل:
"الأمير، كلوت بك، أحد أقدم خدام مصر، والصديق الأكثر إخلاصًا وولاءً لعائلتكم، يأتي ليحيي اعتلاء سموكم العرش والسلطة العليا، وكي يقدم لكم أصدق أمنياته بدوام وازدهار عهدكم. إنكم لتعلمون يا صاحب السمو، أنني قد كرست ثلاثين عامًا، وهي أجمل سنوات حياتي، لتأسيس الإدارة والخدمة الطبية؛ والتي عادت عليها بأثمن الفوائد، وكانت بحق واحدة من أروع أمجاد "محمد علي".
إن إدخال اللقاح (التطعيم)، الذي أنقذ سنويًّا ما بين 50 إلى 60 ألف طفل من الفتك القاتل لمرض الجدري، قد ضاعف تقريبًا عدد سكان هذا البلد الغني خلال تلك الفترة الزمنية نفسها.

أما "إبراهيم باشا"، والدكم المبجل، المحارب العظيم والزراعي الكبير، فقد حافظ على سلامة هذه المؤسسات الإنسانية خلال فترة حكمه، والتي كانت -واأسفاه!- قصيرة جدًا. ولكن "عباس باشا"، بمجرد وصوله إلى السلطة، دمرها بالكامل من أساسها، متسببًا بذلك في تراجع الحضارة نحو قرون من الهمجية. أما "سعيد باشا"، فقد أراد استئناف العمل بها وإحياءها، وذلك فور توليه الحكم مباشرة، ولكنه مع ذلك اختزلها إلى نسب وأبعاد أقل بكثير.
لقد شرعتُ في مهمتي الجديدة بشجاعة، وبعد أن نظمتُ الخدمات وفقًا لنواياه، طلبتُ التقاعد وعدتُ إلى فرنسا، حيث كانت الرعاية الواجبة لعائلتي تدعوني بشكل ملحّ. ولكن "سعيد باشا"، سرعان ما نسي العقبات والصعوبات التي تغلبتُ عليها لتنظيم هذه الخدمات المختلفة، وتركها لتتدهور تمامًا فور رحيلي، تمامًا كما فعل بعد ذلك مع سائر الفروع الإدارية الأخرى.
يا صاحب السمو، إن إعادة بناء الخدمة الطبية والصحية كما نظمتُها في عام 1859، بناءً على الوثائق التي أرسلتُها إليكم والتي أبعث لكم بنسخة ثانية منها، ستكون خطوة حكيمة منكم! وإذا كان من الممكن تحسينها بطريقة ملحوظة، فإن تقدمًا عظيمًا سوف يتحقق!... ومن خلال إعادة هذه المؤسسة النبيلة إلى مستواها السابق، فإنكم ستسيرون بخطى ثابتة وأكيدة في الطريق المجيد الذي سلكه جدكم المبجل بكثير من التوفيق والنجاح!
إن أوروبا بأسرها ستصفق لعبقريتكم المصلحة؛ ومصر، الممتنة والمخلصة، ستبارك نبل وشهامة عهدكم.
أما أنا, يا صاحب السمو، ورغم تقدمي في العمر وضعف قواي الناتج عن أعمالي الكثيرة، فلن أتردد للحظة واحدة في أن أضع تحت تصرفكم ثمرة خبرتي الطويلة والولاء الذي ما زلتُ مفعمًا به تجاه مصر، وطني الثاني.
إني لسموكم،
الخادم الأكثر تواضعًا وطاعة.
كلوت بك"
وتختزل هذه الرسالة المؤثرة فلسفة "القوة الناعمة" لمصر، وتكشف كيف لطبيب أجنبي أن يدافع عن أطفال مصر وسكانها بهذا الحماس، لولا أنه رأى بأم عينيه كيف تحول "قصر العيني" من مجرد مدرسة طبية ناشئة إلى محرك حقيقي للنهضة الإنسانية في العالم. حيث يذكر كلوت بك بوضوح خطة التطعيم ضد الجدري التي أنقذت عشرات الآلاف من الأطفال سنويًا، وهي شهادة تاريخية على أن المنظومة الصحية المصرية في القرن التاسع عشر كانت سبّاقة بمقاييس عصرها.
كما تعكس الرسالة التحولات السياسية وأثرها على مسيرة العلم؛ إذ يرثي الطبيب تراجع المنظومة في عهد عباس باشا الأول، ويشيد بمحاولات الإنعاش في عهد سعيد باشا، ليضع الآمال كلها في النهاية بين يدي الخديوي إسماعيل -صانع نهضة مصر الحديثة- ليعيد لـ "قصر العيني" هيبته ومكانته الدولية، مؤكدًا أن هذه الرسالة ليست مجرد وثيقة دبلوماسية، بل هي وثيقة وفاء تثبت أن قصر العيني لم يكن يومًا مجرد مستشفى، بل كان وما زال فكرة حضارية لا تموت.

















0 تعليق