نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إلهامي المليجي يكتب: من مزرعة الحيوان إلى الريف المصري، نشوى عمران تعرض في فيينا وجوها وحرفا يحرسها اللون من الغياب, اليوم الاثنين 20 يوليو 2026 06:30 مساءً
لم يكن الفن التشكيلي يومًا زائرًا عابرًا في حياتي، وإن لم أحترفه أو أدخل محرابه ناقدًا أكاديميًا، اقتربت منه بوصفه قارئًا بصريًا يتأمل اللوحة كما يتأمل النص، وينصت إلى حوار اللون والظل والفراغ، مثلما ينصت إلى موسيقى الكلمات وما تخفيه بين سطورها.
بدأت علاقتي بالفن في سنوات التلمذة الأولى من عشقي للخط العربي ومحاولاتي تعلمه. أسرني ذلك الفن البديع الذي يحوّل الحرف من أداة للكتابة إلى كائن جمالي؛ ينحني ويستقيم، يمتد وينكمش، يمتلئ بالمعنى ثم يترك للفراغ من حوله أن يكمل ما لم يقله.
علّمني الخط، قبل أن أعرف نظريات الفن، أن الجمال يقوم على التوازن، وأن الفراغ ليس مساحة مهملة، بل عنصرًا من عناصر التكوين، وأن العين قد تقرأ الكلمة قبل أن يدرك العقل معناها.
ومن هناك بدأت محاولاتي لتطوير ذائقتي بالدراسة الحرة، لا طلبًا لاحتراف الرسم، بل رغبة في امتلاك عين أكثر قدرة على الرؤية.

لكن الكتابة السياسية أخذتني مبكرًا إلى عوالمها الصاخبة. الأحداث المتلاحقة، والحروب، والتحولات، والأسئلة الكبرى التي لا تمنح الكاتب فرصة طويلة لالتقاط أنفاسه، جذبتني بعيدًا عن التناول المنتظم للفن، لكنها لم تستطع أن تنتزع شغفي به.
ظل حاضرًا في مكان عميق من الروح، أعود إليه كلما اشتد ضجيج السياسة، لا هربًا من قضايا العالم، بل حتى لا تبتلع السياسة ما تبقى في داخلنا من قدرة على التأمل والدهشة.

حين كانت الصفحة لوحة
حين التقيت في بيروت الفنان المصري الكبير عبد المنعم القصاص، انتقلت علاقتي بالفن إلى مساحة جديدة.
علّمني فنون الإخراج الصحفي، وفتح عيني على الصفحة باعتبارها لوحة لها مركز بصري وإيقاع ومساحات صمت، مثلما لها عناوين وصور ونصوص.
منذ ذلك الوقت، لم يعد الإخراج عندي ترتيبًا ميكانيكيًا للمواد الصحفية، بل بناءً بصريًا يشارك في إنتاج المعنى، ويوجه عين القارئ من مدخل الصفحة إلى تفاصيلها، ويمنح النص فضاءه وإيقاعه الخاص.
وعندما انتقلت إلى سوريا، التحقت بأحد المعاهد الخاصة لدراسة الرسم دراسة حرة. كان ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، قبل الطفرة التكنولوجية التي غيّرت عالم الصحافة والإخراج، وقبل أن تتولى البرامج الحديثة جانبًا كبيرًا مما كانت تنجزه العين واليد والخيال.

أسهمت تلك الدراسة في تطوير قدراتي في إخراج المجلات وتصميم أغلفتها. وكنت أحيانًا أرسم وحدات زخرفية مستوحاة من قصة أو قصيدة منشورة، وأضعها إلى جوار النص، لا باعتبارها زينة منفصلة عنه، بل صدى بصريًا له، ومحاولة لمدّ جسر بين الكلمة والصورة.
ومن مفارقات الحياة أن زوجتي الأولى كانت ابنة فنان تشكيلي سوري تخرّج في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ثم كانت زوجتي الثانية فنانة مصرية وخريجة كلية الفنون الجميلة؛ كأن الفن أصرّ على ألا يبقى شغفًا شخصيًا بعيدًا، بل أن يحيط بحياتي ويطلّ عليّ من أكثر من نافذة.
لهذا حرصت، وسط ضغوط الصحافة والنشر والإعلام، على زيارة المعارض الفنية. لم تكن زيارة المعرض بالنسبة إليّ نزهة بصرية فحسب، بل استراحة وجدانية وروحية؛ أخرج فيها من صرامة الخبر إلى رحابة الخيال، ومن اللغة التي تلاحق النزاعات إلى لغة لا تحتاج إلى ضجيج كي تقول الكثير.

ومع تقدم العمر، تراجعت زياراتي إلى المعارض، لكن علاقتي بالفن لم تنقطع. أتابع ما يتاح لي، وأكتب حين يوقظ فنان أو معرض ذلك الشغف القديم. ومن هنا استوقفني خبر المعرض الاستعادي للفنانة المصرية نشوى عمران في فيينا. جذبتني لوحاتها أولًا، ثم لفتني أن سفارتنا في النمسا تحتضن معرضًا يستعيد البيئة الشعبية المصرية، ووجوه أبنائها، وحِرفها التي أوشك بعضها على الغياب.
نشوى عمران.. حين يصبح التوثيق فعل محبة
يضم المعرض، الذي يحمل عنوان «مزرعة الحيوان»، سبعًا وأربعين لوحة زيتية على القماش، أنجزت بتقنية الرسم المباشر، ويقام في الملحق الثقافي للسفارة المصرية بالنمسا خلال الفترة من العشرين من يوليو حتى الثالث من أغسطس.
وتستحق هذه المبادرة تحية خاصة للسفير محمد نصر، سفير مصر لدى النمسا، وللقائمين على الملحق الثقافي؛ لأن السفارة لا تستكمل رسالتها حين تكتفي بالتمثيل السياسي والقنصلي، بل حين تتحول أيضًا إلى نافذة تطل منها ثقافة مصر وفنونها وذاكرتها على العالم.
فالقوة الناعمة ليست تعبيرًا للاستهلاك في الخطب، وإنما فعل ثقافي متصل: لوحة تسافر، وكتاب يُترجم، وفيلم يُعرض، وموسيقى تعبر الحدود، وفنان يجد في سفارة بلاده فضاءً يقدم فيه تجربته إلى جمهور جديد. وكم نحتاج إلى أن تحذو سفارات مصر الأخرى حذو سفارتنا في فيينا، وأن تفتح جدرانها للمبدعين المصريين الذين يحفظون بالفن ما تهدده سرعة التحولات بالنسيان.
ونشوى عمران ليست مجرد فنانة تقدم مجموعة من اللوحات، بل صاحبة تجربة تتجاور فيها الفنون والإعلام والتعليم والتوثيق.
درست تصميم الأزياء في الفنون التطبيقية والتصوير في الفنون الجميلة، وهي عضو نقابة الفنانين التشكيليين.
كما أدارت تجربة لتعليم الرسم الواقعي في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية، وخاضت تجربة إعلامية في رسم بورتريهات حية للنجوم، إلى جانب كتابتها مقالات توثق حياة عدد من الفنانين.
لا تبدو هذه المسارات المتعددة تشتتًا، بل تكشف عن شخصية فنية ثرية تتغذى موهبتها من أكثر من منبع؛ فدراسة الأزياء تمنحها حساسية تجاه الخطوط والملامس، ودراسة التصوير تضبط بناء اللوحة، والرسم الحي يدرب عينها على التقاط الانفعالات، فيما تمنحها الكتابة قدرة على اكتشاف الحكاية الكامنة خلف الوجه.
وفي حدود الصور التي أتيحت لي، تبدو الواقعية لدى نشوى عمران أبعد من مجرد محاكاة أمينة للمشهد؛ إنها وسيلة لاسترداد عالم يتراجع من حولنا. فهي لا ترسم الحرفي لتسجل ملامحه وحدها، بل ترسم علاقته بأدواته ومكانه والزمن الذي انطبع على وجهه ويديه.
في إحدى اللوحات، يقف عامل أمام مخرطة ضخمة، مستغرقًا في عمله، لا ينظر إلى المتلقي ولا يتخذ وضعًا بطوليًا مصطنعًا.
تحتل الآلة جانبًا واسعًا من المشهد، بينما يبدو الرجل في قلبها كأنه امتداد لها، وكأنها بدورها امتداد لخبرته ويديه، وبين الدرجات المعدنية والترابية، تبرز علبة الزيت الحمراء نقطة ضوء وحركة، تكسر صلابة المشهد وتمنحه نبضًا خفيًا.
وفي لوحة أخرى، ينحني إسكافي فوق ما بين يديه، محاطًا بأدوات مهنته وآثار سنوات طويلة من الاستخدام. وخلفه صورة لرجل يرتدي الطربوش، ولوحة خطية، ومرآة قديمة، وجدار ترك الزمن عليه بصماته. هنا لا ترسم الفنانة حرفيًا فحسب، بل ترسم طبقات كاملة من الذاكرة.
فالورشة ليست مكانًا للعمل وحده، وإنما أرشيف شعبي صغير يحتفظ بصور الآباء، وعلامات الإيمان، وبقايا عصور عبرت من الباب وتركت ظلالها على الجدران.
تكمن قيمة هذه الأعمال في أنها لا تحول أصحاب الحرف إلى زينة فولكلورية، ولا تقدمهم بوصفهم بقايا عالم قديم نتفرج عليه، وإنما تستعيد كرامة العمل اليدوي، وتمنح العامل والحرفي موقعهما في قلب اللوحة، بعدما أسهمت يداهما في تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية من دون أن يحظيا غالبًا بمكان يليق بهما في سجل الذاكرة العامة.
وفي لوحة الريف، لا تقدم نشوى عمران المشهد السياحي المصقول: خضرة مثالية، وبيوتًا بلا شقوق، وسماء لا يعكر صفوها غبار، نرى جدرانًا ريفية متعبة، ونوافذ صغيرة، ونباتات تتقدم في مقدمة اللوحة بضربات فرشاة حرة، المكان جميل لأنه صادق، وحي لأنه يحمل آثار من عاشوا فيه، ولأن الفنانة لم تنتزع منه خشونته كي تجعله صالحًا للعرض.
أما لوحات الوجوه، فتفتح بابًا آخر في تجربتها؛ نساء شابات داخل فضاءات منزلية أو بين مفردات الطبيعة، وإلى جوارهن قط أو كلب، لا يظهر الحيوان عنصرًا هامشيًا، بل شريكًا في الألفة والمشهد، النظرات مباشرة أو شاردة، والملامح هادئة، فيما يتشكل حوار صامت بين الإنسان والكائن الذي يؤنس وحدته.
تتنقل ألوان نشوى عمران بين ترابيات الريف وصدأ الورش وخضرة الحقول، ثم تنفتح على الأزرق والبنفسجي والدفء الذهبي في الوجوه والشعر، وهي لا تفصل الشخصية عن محيطها؛ فالمكان عندها جزء من السيرة، والأداة امتداد لليد، والجدار ذاكرة، والحيوان رفيق في الحكاية.
«مزرعة الحيوان».. حين يلتقي الأدب بالتشكيل
يحمل اختيار نشوى عمران عنوان «مزرعة الحيوان» دلالة تتجاوز الجاذبية اللفظية. فالإحالة إلى رواية جورج أورويل، إحدى أهم الروايات الرمزية وأكثرها تأثيرًا في الأدب العالمي، تكشف عن عمق ثقافي وأدبي، وعن فنانة لا تعزل الصورة عن الفكر، ولا ترى اللوحة مساحة للون وحده، بل مجالًا للأسئلة والتأويل.
رواية أورويل ليست حكاية عن الحيوانات في ظاهرها البسيط، بل نص بالغ الكثافة عن السلطة والثورة والعدالة والمساواة، وعن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الأحلام الكبرى إلى أدوات جديدة للهيمنة، حين يستبدل المستبدون الشعارات القديمة بشعارات أخرى ويبقى جوهر الاستغلال قائمًا.
ومن هنا يصبح عنوان المعرض عتبة فكرية تدفع المتلقي إلى تأمل العلاقة بين الإنسان والعمل والطبيعة والسلطة، وبين من يصنعون الحياة بأيديهم ومن يحتكرون كتابة تاريخها.
ولا يبدو العنوان، في ضوء الصور المتاحة، دعوة إلى ترجمة الرواية حرفيًا، بقدر ما يبدو مفتاحًا يوسّع مجال القراءة. فالريف عند نشوى عمران ليس خلفية رومانسية، بل فضاء للعمل والتعب والتحولات الاجتماعية، والحرف المهددة بالاندثار ليست مناسبة للحنين وحده، بل سؤال عن الثمن الإنساني للتحديث، وعمن يدفع كلفة عالم يسرع إلى الأمام من دون أن يلتفت إلى من يتركهم خلفه.
أما الوجوه التي ترسمها، فلا تطلب شفقة المتلقي، بل تطالب بحقها في أن تُرى، وأن تدخل السجل الجمالي للوطن. إنها وجوه تبوح ولا تستعرض، وتحمل في ملامحها دنيا من العطف والكدح والرحمة والكبرياء.
هنا تتحول اللوحة إلى وثيقة من دون أن تفقد شعريتها، فالوثيقة تسجل ما كان، أما الفن فيمنح ما كان حياة أخرى، ويقاوم موته الثاني في الذاكرة، وحين تنتقل هذه الوجوه والورش والحقول من مصر إلى فيينا، فإنها لا تسافر بوصفها مشاهد محلية مغلقة، بل تحمل سؤالًا إنسانيًا يتجاوز الحدود: ماذا يبقى من الإنسان إذا فقد صلته بعمله ومكانه وذاكرته؟
لهذا أعادني معرض نشوى عمران، رغم أنني لم أزره إلا عبر الصور، إلى ذلك الشعور القديم الذي كانت تمنحني إياه قاعات الفن: أن شيئًا في الداخل يعاد ترتيبه بهدوء، وأن العين حين ترى الجمال الصادق تستعيد قدرتها على مقاومة القبح والضجيج والإنهاك.
تحية للفنانة نشوى عمران، لأنها اختارت أن تنصت إلى وجوه المصريين وأمكنتهم وحِرفهم، وأن تمنحها حياة أخرى فوق القماش؛ وتحية لعمقها الثقافي الذي جعل من عنوان أدبي عالمي بابًا إلى أسئلة مصرية وإنسانية؛ وتحية لسفارتنا في النمسا ولسفيرها محمد نصر، لإدراكهما أن مصر لا يقدمها إلى العالم تاريخها القديم وحده، بل أيضًا فنانوها المعاصرون، وذاكرة حقولها وورشها، وملامح ناسها البسطاء.
فالفن ليس ترفًا نلجأ إليه بعد أن تنتهي معارك الحياة؛ إنه ما يحفظ إنسانيتنا ونحن نخوض تلك المعارك، وما يعيد إلى الروح توازنها حين يوشك صخب العالم أن يبدده.

















0 تعليق