نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جمهورية الموز! بين الغش والسرطان.. الكربيد يشعل الجدل حول إنضاج الفاكهة الشعبية.. الجهات المعنية تعمل في «جزر منعزلة».. والرقابة غائبة, اليوم الخميس 23 يوليو 2026 07:06 مساءً
لم تكن مقاطع الفيديو المتداولة مؤخرًا حول استخدام «بودرة الكربيد» في إنضاج الموز مجرد محتوى عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات والقلق بشأن سلامة واحدة من أكثر الفواكه تداولًا، لا سيما أنها تأتي بعد أيام من الجدل الذي أثارته مادة ثاني أكسيد التينانيوم التي تضاف إلى عصير القصب وبعض المواد الغذائية الأخرى.
فبين تحذيرات متخصصين من أن كربيد الكالسيوم الصناعي قد يحتوي على شوائب سامة، أبرزها الزرنيخ المصنف دوليًا ضمن المواد المسرطنة للإنسان، وما قد ينتج عنه من مخاطر صحية عند التعرض المزمن، وبين مطالبات بتشديد الرقابة على ثلاجات ومخازن الموز، برزت قضية تتجاوز مجرد الجدل الإلكتروني لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: من يراقب عمليات إنضاج الموز بعد الحصاد؟ وهل تمتلك الجهات المعنية منظومة رقابية قادرة على اكتشاف أي ممارسات مخالفة قبل وصول الثمار إلى الأسواق؟
«فيتو» ترصد خيوط هذه القضية من مختلف جوانبها، من واقع شهادات مسؤول سابق بوزارة الزراعة، وأستاذ متخصص في بحوث الموز، ورؤية علمية وطبية تستند إلى الأدلة، للكشف عن حقيقة استخدام كربيد الكالسيوم، والفرق بين الإنضاج الآمن والإنضاج القسري، وثغرات الرقابة التي قد تسمح بمثل هذه الممارسات، وما إذا كانت المخاوف المتداولة تستند إلى حقائق علمية تستوجب التحرك أم أنها تحتاج إلى مزيد من التحقق.
من يراقب ثلاجات الموز؟ مسؤول سابق يكشف ثغرات الرقابة
قال المهندس محمود عطا، وكيل وزارة الزراعة للبساتين والمحاصيل الزراعية السابق، إن ما يريد توضيحه أولًا هو أن وزارة الزراعة ليس لها دور رقابي على ثلاجات الموز، موضحًا أن الدور الرقابي الأصيل يقع على عاتق وزارة الصحة وجهاز حماية المستهلك.
وأضاف أن المفاجأة تكمن في أن هذه الجهات الحكومية، إلى جانب جهات أخرى، لا تمتلك حصرًا حقيقيًا لثلاجات الموز، وبالتالي لا توجد لديها آلية رقابية فعالة لمتابعتها، مؤكدًا أن تحديد أضرار أي مادة كيميائية مثل كربيد الكالسيوم، التي يثار الحديث بشأن استخدامها في الإنضاج السريع للموز، هو اختصاص الجهات الصحية وليس الجهات الزراعية، لأن دور وزارة الزراعة ينتهي عند متابعة استخدام المواد الكيميائية أثناء الزراعة وحتى الحصاد، أما معاملات ما بعد الحصاد فتخرج - للأسف الشديد - من نطاق اختصاص وزارة الزراعة.
وأكد أن الجهات الحكومية تعمل في كثير من الأحيان وكأنها «جزر منعزلة»، حيث تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، موضحًا أنه إذا تم سؤال أي مسؤول بوزارة الزراعة عن عدد الأفدنة المنزرعة بالموز، والتي تقترب من 100 ألف فدان، أو حجم الإنتاج، أو المحافظات التي تتركز فيها زراعة الموز، أو أماكن ثلاجات التخزين الرئيسية، فلن يستطيع الإجابة، لأن هذه البيانات غير متوافرة بصورة متكاملة لديهم.
وتساءل: هل لدى وزارة الزراعة حصر بتوزيع الإنتاج؟ وهل تعرف إلى أي الأسواق يذهب؟ وهل تبلغ وزارة الصحة بهذه البيانات لمتابعة المنتج داخل الأسواق؟ وهل يتم التنسيق مع وزارة التموين أو أي جهة أخرى؟ مؤكدًا أن الإجابة - للأسف - هي عدم وجود هذا التنسيق.
حين يغيب الرقيب.. الربح يصبح الأولوية
وأشار محمود عطا إلى أن التاجر بطبيعته يبحث عن الربح، وأن جزءًا كبيرًا من أصحاب رؤوس الأموال لا يشغلهم كثيرًا ما إذا كان الأمر حلالًا أو حرامًا أو صحيحًا أو خاطئًا، بقدر ما يشغلهم حجم الأرباح التي سيحققونها، مضيفًا أن هذه الممارسات لا تقتصر على محصول الموز فقط، وإنما تمتد إلى كثير من المحاصيل الزراعية، خاصة داخل السوق المحلي، لأن ضعف الرقابة يفتح الباب أمام الاستخدام السيئ للمواد المختلفة.
وأوضح أن الطريقة الطبيعية تتمثل في حصاد الموز ثم إدخاله إلى الثلاجات لمدة أسبوع أو عشرة أيام أو خمسة عشر يومًا، بينما قد يقوم آخرون بتخزينه لفترات أطول حتى يظل متاحًا على مدار العام، وخلال هذه الفترة يتم استخدام مواد طبيعية تساعد على الإنضاج داخل غرف التخزين، وبعضها يحتوي على مركبات كبريتية، ولكن بنسب محدودة للغاية، بحيث لا تترك أثرًا ضارًا على الثمار.
وأضاف أن هناك اعتقادًا بأن قشرة الموز تمنع انتقال تأثير المواد الكيميائية إلى داخل الثمرة، مثلما يحدث في بعض الفواكه الأخرى كالبرتقال، إلا أن هذا الكلام ليس منضبطًا بنسبة 100%، ولا يمكن اعتباره قاعدة عامة.
100 ألف فدان تحقق الاكتفاء الذاتي.. فلماذا الاستيراد؟
وأكد وكيل وزارة الزراعة السابق أن مصر تمتلك ما يقرب من 100 ألف فدان مزروعة بالموز، بمتوسط إنتاج يتراوح بين 40 و60 طنًا للفدان، وهو ما يحقق الاكتفاء الذاتي من المحصول، معربًا عن استغرابه من الحديث عن استيراد الموز، في الوقت الذي لا توجد فيه كميات فائضة تسمح بالتصدير، لأن الإنتاج بالكاد يغطي احتياجات السوق المحلية.
قرار حظر زراعة الموز.. لماذا وصفه بـ«الغبي»؟
وقال محمود عطا إن هناك إحجامًا عن زراعة الموز؛ لأنه من المحاصيل الشرهة للمياه ويحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة، موضحًا أن الدولة اتخذت قرارًا بحظر زراعته في بعض الأراضي القديمة، بينما سمحت بزراعته في الأراضي الجديدة.
وأضاف أنه لا يعرف سبب اتخاذ هذا القرار، خاصة أن الأراضي الجديدة قد تستهلك مياهًا أكثر، واصفًا القرار بأنه «قرار غبي»، مشيرًا إلى أنه صدر أثناء وجوده في الخدمة ولم يقم بتطبيقه، كما أنه أصدر تعليمات شفهية بعدم تحرير محاضر ضد مزارعي الموز في الأراضي القديمة، لأن القرار - بحسب وصفه - صدر دون الرجوع إلى المتخصصين.
وأوضح أن القرار اتخذه وزير الزراعة السابق السيد القصير ووزير الري السابق محمد عبد العاطي بهدف الحفاظ على المياه، حيث تم منع زراعة الموز في الأراضي القديمة والسماح بزراعته في الأراضي الجديدة لمدة دورة واحدة تستمر نحو ثلاث سنوات.
الإرشاد الزراعي.. منظومة انهارت
وأكد محمود عطا أن مزارعي الموز، شأنهم شأن باقي مزارعي مصر، يعانون من عدم توافر الأسمدة المعدنية المدعمة، وارتفاع أسعار الأسمدة الحرة، وغياب الإرشاد الزراعي الحقيقي.
وأضاف أن الجمعيات الزراعية لم يعد بها المتخصصون الذين كانوا يقومون بالأعمال الإرشادية، كما أن الحكومة لا تزال تتعامل مع المحاصيل البستانية باعتبارها محاصيل ترفيهية، ولا توفر لها الدعم الفني الكافي.
وأشار إلى أن ما يقرب من 300 مركز للإرشاد الزراعي لم تعد تؤدي دورها، بعد أن كانت تضم في الماضي متخصصين في البساتين والمحاصيل الحقلية ووقاية النبات والإنتاج الحيواني والتنمية الريفية، وكان كل مركز يخدم نحو عشر قرى، مع تنظيم الندوات وإنتاج الأفلام الإرشادية والبرامج التوعوية.
وأضاف أن البرامج الزراعية المتخصصة التي كانت تقدم للمزارعين، مثل برنامج «سر الأرض»، اختفت، كما لم تعد قناة مصر الزراعية - التي تغير اسمها إلى قناة مستقبل مصر - تقدم البرامج الإرشادية التي كانت تتابع المحصول منذ الزراعة وحتى الحصاد، معتبرًا أن الإرشاد الزراعي أصبح شبه منعدم، وأن هذا التراجع بدأ منذ تولي وزراء زراعة من خارج التخصص الزراعي، على حد وصفه.
أستاذ بحوث الموز: الكربيد غش صريح.. والإيثيلين هو البديل الآمن
من جانبه، قال الدكتور محمد سعد، أستاذ الموز بمعهد بحوث البساتين، إن استخدام مواد كيميائية مثل كربيد الكالسيوم في إنضاج الموز يعد أحد أشكال الغش لإسراع عملية الإنضاج، مؤكدًا أن هذه المادة محرمة ولا يجوز استخدامها لهذا الغرض.
وأوضح أن الطريقة العلمية والآمنة والمتعارف عليها لإنضاج الموز تعتمد على استخدام غاز الإيثيلين أو مادة الإيثيفون بالتركيزات الموصى بها، وليس كربيد الكالسيوم الذي يمثل خطرًا على صحة المواطنين.
وأضاف أنه لأول مرة في حياته العلمية يسمع عن استخدام هذه المادة في إنضاج الموز، مطالبًا الجهات الرقابية والصحية بسرعة تنفيذ حملات تفتيشية على ثلاجات ومخازن الموز للتأكد من سلامة عمليات الإنضاج وحماية صحة المواطنين.
بودرة الكربيد.. ماذا يقول العلم؟
من جانبها، أوضحت الدكتورة شدوة أحمد، رئيس قسم التغذية العلاجية بمستشفى كليوباترا النيل البدراوي، وعضو الجمعية الأوروبية للتغذية العلاجية والأيض، أن كربيد الكالسيوم (CaC₂) مادة صلبة رمادية أو سوداء تستخدم أساسًا في صناعة اللحام وإنتاج غاز الأسيتيلين للمصانع، وهي ليست مادة غذائية بأي حال من الأحوال.
مادة تسبب السرطان
وأوضحت أن المادة تتفاعل مع الماء وفق المعادلة: CaC₂ + 2H₂O → C₂H₂ + Ca(OH)₂، وينتج عن هذا التفاعل غاز الأسيتيلين، وهو غاز يشبه في تأثيره هرمون الإيثيلين الطبيعي الذي تفرزه الفاكهة أثناء النضج، فيخدع الثمار لتدخل مرحلة النضج بسرعة، لكنه ليس الإيثيلين نفسه، ولا يتمتع بنفس مستوى الأمان.
وأكدت أن الخطر الأكبر لا يكمن في غاز الأسيتيلين فقط، وإنما في الشوائب السامة الموجودة داخل الكربيد الصناعي، وعلى رأسها الزرنيخ، الذي تصنفه الوكالة الدولية لأبحاث السرطان ضمن المواد المسرطنة للإنسان، وغاز الفوسفين السام للكبد والكلى والجهاز العصبي، بالإضافة إلى هيدروكسيد الكالسيوم الناتج عن التفاعل، والذي يعد مادة كاوية قد تسبب تقرحات في الفم والمعدة والجهاز الهضمي.
وأضافت أن تقارير ودراسات صادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) اعتبرت استخدام كربيد الكالسيوم في إنضاج الأغذية ممارسة غير آمنة بسبب احتمال وجود شوائب ومعادن ثقيلة، كما رصدت دراسات أجريت في الهند وبنجلاديش بقايا زرنيخ وفوسفور بمستويات مرتفعة في عينات من الموز المعامل بالكربيد.
الموقف القانوني
وأشارت الدكتورة شدوة أحمد إلى أن كربيد الكالسيوم غير مصرح باستخدامه كمادة مضافة للأغذية، موضحة أن مرجعيات Codex التابعة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة لا تجيز استخدامه لهذا الغرض، كما حظرته الهند منذ عام 2016، ولا تسمح به الولايات المتحدة، مؤكدة أنه محظور أيضًا في مصر وفق القرار رقم 63 لسنة 2005 الخاص بتداول الأغذية، وأن ثبوت استخدامه قد يترتب عليه سحب المنتجات وتوقيع العقوبات المنصوص عليها قانونًا.
وأوضحت الدكتورة شدوة أحمد أن هناك علامات قد تثير الشك في استخدام الكربيد، من بينها أن يكون الموز أصفر من الخارج بينما يبقى داخله مائلًا للخضرة، أو أن تكون الثمرة طرية من الخارج لكنها متماسكة من الداخل، أو أن تفتقد الرائحة والطعم السكري الطبيعيين، مع احتمال ظهور بقع سوداء أو رمادية على القشرة.
وأكدت، في الوقت نفسه، أن هذه العلامات ليست دليلًا قاطعًا على استخدام الكربيد، وأن الفيصل الحقيقي يظل في التحاليل المعملية والإجراءات الرقابية.
نقلا عن العدد الورقي


















0 تعليق