نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
آخرة الغش في الثانوية العامة!, اليوم الخميس 30 يوليو 2026 02:00 مساءً
لم يكن إعلان نتائج بعض كليات الطب هذا العام مجرد خبر أكاديمي عابر، بل بدا جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة منظومة التعليم بأكملها، بدءًا من امتحانات الثانوية العامة، مرورًا بسياسات القبول الجامعي، وانتهاءً بإعداد الطبيب الذي سيُؤتمن يومًا على حياة الناس.
فحين تتزايد معدلات التعثر والرسوب في بعض كليات القمة، وحين تتصاعد التحذيرات من ضعف التدريب السريري في بعض الكليات الجديدة، يصبح من الواجب أن نتوقف قليلًا لنسأل: أين بدأ الخلل؟ وهل ما نراه اليوم هو نتيجة سنوات طويلة من التساهل مع ظواهر كان ينبغي حسمها منذ بدايتها؟
لقد تحولت الثانوية العامة، في نظر كثيرين، من وسيلة لقياس الكفاءة إلى معركة للحصول على أعلى الدرجات بأي وسيلة، حتى أصبحت وقائع الغش الإلكتروني، وسماعات الأذن الدقيقة، وتسريب الأسئلة، وصفحات تداول الإجابات، مشاهد متكررة تكاد تفقد المجتمع حساسيته تجاه الجريمة الأخلاقية قبل القانونية.
والخطر الحقيقي لا يكمن في نجاح طالب بالغش، وإنما في أن يحتل مكانًا لا يستحقه، فيحرم مجتهدًا بذل من الجهد والعرق ما يؤهله لذلك المقعد، ويبدأ منذ اليوم الأول في الجامعة صراعًا مع علم لا يعرف المجاملة ولا يعترف إلا بالفهم والقدرة.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تظهر مؤشرات تدعو إلى القلق في بعض كليات الطب، حيث انخفضت نسب النجاح في الفرقة الأولى بصورة لافتة في بعض الجامعات، بينما ارتفعت نسب النجاح في الفرق الأعلى.
ولا يجوز علميًا أن يُعزى ذلك إلى الغش وحده، فهناك عوامل أخرى تتعلق بصعوبة الدراسة، وطبيعة الانتقال من التعليم المدرسي إلى الجامعي، ونظم التقويم، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن حصول بعض الطلاب على درجات مرتفعة بوسائل غير مشروعة قد يؤدي إلى التحاقهم بكليات تتجاوز قدراتهم الحقيقية، فينكشف الفارق بين الدرجة الورقية والكفاءة الفعلية عندما يواجهون مناهج الطب القائمة على الفهم والتحليل والانضباط.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع التوسع الكبير في إنشاء كليات الطب، خاصة والأهلية، إذ إن الموافقة على إنشاء بعض هذه الكليات ارتبطت باشتراط إنشاء مستشفى جامعي خلال سنوات محددة.
وهنا يبرز السؤال الذي طرحه نقيب الأطباء في أكثر من مناسبة إعلامية، ومفاده أن دراسة الطب ليست محاضرات تُلقى داخل القاعات، وإنما ممارسة يومية بين أروقة المستشفيات، يكتسب فيها الطالب مهارات التشخيص والتعامل مع المرضى واتخاذ القرار تحت إشراف أساتذته.
فإذا تأخر إنشاء المستشفى أو لم تتوافر الطاقة التدريبية الكافية، فمن أين يكتسب الطالب الخبرة العملية التي لا غنى عنها؟ إن الشهادة الطبية ليست ورقة تُعلَّق على الجدران، وإنما عهد بين الطبيب والمجتمع بأن من يحملها قد استوفى من العلم والتدريب ما يجعله أهلًا لصيانة الأرواح.
إن أخطر ما يفعله الغش أنه لا يزور ورقة الإجابة فحسب، بل يزور ترتيب الكفاءات داخل المجتمع. فالطالب الذي اعتاد الوصول إلى هدفه بالغش قد يحمل هذه الثقافة معه إلى الجامعة، ثم إلى الوظيفة، فتتحول المخالفة الفردية إلى ثقافة عامة تهدم قيمة الجدارة والاستحقاق.
وحينئذ يصبح المجتمع كله هو الخاسر، لأن الطبيب الضعيف لا يضر نفسه وحدها، والمهندس غير المؤهل لا يعرض مستقبله وحده للخطر، وإنما قد يكون سببًا في ضياع أرواح ومقدرات لا تعوض.
وليس من العدل أن نلقي بالمسؤولية على الطلاب وحدهم، فالغش ظاهرة مركبة تشترك فيها أطراف متعددة؛ أسرة ترى أن المجموع أهم من العلم، ومدرسة تنشغل بالحفظ أكثر من الفهم، ودروس خصوصية حولت التعليم إلى سباق درجات، ولجان رخوة، وتقنيات حديثة استغلها البعض في الالتفاف على القانون.
ولهذا فإن المواجهة لا تكون بإجراءات أمنية فقط، وإنما بإعادة بناء فلسفة التعليم نفسها، بحيث تصبح الامتحانات أداة لقياس التفكير لا الذاكرة، ويصبح النجاح ثمرة اجتهاد حقيقي لا نتيجة مهارة في التحايل.
كما أن إصلاح التعليم الطبي لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أعداد الكليات، بل يجب أن يقترن بضمان جودة التدريب السريري، وربط أعداد المقبولين بإمكانات المستشفيات التعليمية، وتشديد الرقابة على البرامج الأكاديمية، حتى لا يتحول التوسع الكمي إلى تراجع في المستوى النوعي.
فالطبيب لا يتخرج بمجرد اجتياز الامتحانات، وإنما يتخرج حين يكتمل علمه، ويترسخ ضميره، ويطمئن المجتمع إلى أن من يقف أمامه في غرفة الكشف قد تعلم كما ينبغي، وتدرب كما ينبغي، واستحق مكانه كما ينبغي.
وقد وضع الإسلام قاعدة أخلاقية جامعة حين قال النبي ﷺ: «من غش فليس مني»، لأن الغش ليس مجرد مخالفة لقواعد الامتحان، وإنما اعتداء على حقوق الآخرين، وإفساد لميزان العدل، وإضرار بالمصلحة العامة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، ومن أعظم البخس أن يُنتزع مقعد مستحق من صاحبه ليمنح لمن لم يبذل سببه.
إن الأمم لا تنهض بكثرة الحاصلين على الدرجات النهائية، وإنما بكثرة المستحقين لها، ولا تقاس قوة التعليم بعدد الناجحين، وإنما بقدرة الخريجين على أداء رسالتهم بكفاءة وأمانة. وإذا أردنا أن نطمئن على مستقبل الطب والهندسة والتعليم وسائر المهن، فعلينا أن نبدأ من حيث يبدأ كل شيء: امتحان عادل، وضمير يقظ، وتعليم يصنع الإنسان قبل أن يمنحه الشهادة.

















0 تعليق