نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نافذة على الوعي (25).. كربلائيات التباكي على الفلسفة, اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 12:27 مساءً
لاتفتأ آليات الإرضاع التضليلي لدى تيارات تُجَّار الحداثة وثكالى العلمانية تغيِّر كالحرباء ألوانها وتوفيق أوضاعها مُخْفِية ما تبثه من سمومها تحت جلدها المتغير بما يلائم الظرف المجتمعي والحدث المتجدد الآني.
وربما يكون قرار وزارة التربية والتعليم بتنظيم ساعات تدريس مقرر الفلسفة بالمرحلة الثانوية كان الفرصة التي سنحت أمام دهاقنة الإرضاع التضليلي؛ لتجعل من ذلك القرار كربلائيةً وبكائيةً ثقافية جديدة تُذْرَف لأجلها من دموع التماسيح أنهار وأنهار، ولتجعل منه قميصَ عثمان المعرفي الجديد الذي يُرفَع على أسِنَّةِ رِماح الفتنة كُلما أطَلَّت؛ فتغدو لها إرضاعاتهم التضليلية رؤوسًا كطَلْعِ الشياطين.
لكن ما أهون الدمعَ الجسورَ إذا جرى من عين كاذبةٍ فأنكر وادعى! فليس من طبائع مسالك الإرضاع التضليلي الخوف على المصلحة العامة أو العمل على صالح المجتمعات أو الارتقاء بها عقليا أو فكريا أو ثقافيا أو روحيا؛ لأن ذلك من مقومات تأسيس الهويات الحضارية للأمم التي يعملون جاهدين على هدمها وإسقاطها؛ لتكون لقمة سائغة في فم الأسياد الإمبرياليين المخططين والمحركين والممولين لهم.
فالأمة إذا ارتقت عقليا وفكريا وثقافيا سترفض التخلي عن هويتها الحضارية العريقة التي كَفَلَتْ لها الريادة في الماضي والصمود أمام جميع العوامل الهدمية في الحاضر. وبالتالي لن تقبل الأمة الانقياد الأعمى لمعاول الهدم والتخريب بمخططاته الخارجية والانسياق وراء ترهات تجار الحداثة وهرتلات العلمانية بمقوماتها اللادينية واللاأخلاقية الصادمة القواطع العقلية والثوابت الدينية والبدهيات القِيَمِيَّة والأخلاقية الفطرية والأعراف المجتمعية المستقرة.
وليس أدلَّ على ما نقول من أمرين:
أولهما: أن أولئك المتباكين على الفلسفة أشد الناس هجرانًا للجمعية الفلسفية المصرية مؤسسة المجتمع المدني الرسمية الوحيدة القائمة على رعاية الفلسفة ونشرها في المجتمع.. بل إن المتباكين على الفلسفة أكثر الناس عملا على تخريب جهود الجمعية الفلسفية وعرقلة أعمالها.
الثاني: أن أكثرهم لا علاقة لهم بالفلسفة سواء أكانوا ممن لا يشتغلون أساسا بالدرس الفلسفي بحثًا أو تدريسًا؛ أم كانوا من الدخلاء على الفكر الفلسفي الأصيل بحُكْم تسلطهم على رقاب العمل الأكاديمي من خلال الدرجات الوظيفية التي استحوزوا عليها في غفلة من الزمن بواسطة أرباب الإرضاع التضليلي.
إذن يأتي السؤال الذي يفرض علينا محاولة جوابه: لماذا يتباكى تجار الحداثة وثكالى العلمانية على الفلسفة رغم أن بضاعتهم المزجاة وهرتلاتهم الهدمية وتمحكاتهم الزائفة لا تنطلي أصلا إلا على الحمقى والنوكى ممن تعطلت لديهم آليات التفكر الرشيد وقوى العقل التأملي والتدبري السديد؟ ومتى يرفعون قميص عثمان الفلسفي لتطل منه إرضاعاتهم التضليلية كأن طلعها رؤوس الشياطين؟
ولأن جانبي السؤال متماهيان بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر فسوف نجيب عنهما دفعة واحدة من خلال الإفادات التالية:
أولا:
أن التباكي والنواح الكاذب بآلياته التضليلية لم يأت عفويًا بل جاء بمثابة (الاسكريبت) الذي تضمنه منشور متسهوك لأحد المنسوبين إلى البيت الفلسفي تم تداوله بواسطة آخرين، وذلك نهجٌ معروف في إشاعة الفتن ونشر الأكاذيب.
فالعلماني يدق على الطبلة وجميع منصات العلمانية تدق على ذات الطبلة. فيصبح الإرضاع التضليلي مبثوثا على كل الموجات يباع على الطرقات مثل حبوب الحمل ومثل ثياب الرقاصات كما وصف الرائع نزار قباني ذلك النهج وآلياته.
ثانيا:
جاء ذلك التباكي في مرحلته الأولى تحريضًا للمجتمع الفلسفي على الدولة المصرية نكاية فيها انطلاقًا من سيكولوجية التمرد المسيطرة على التيارات الحداثية والعلمانية وكراهيتها المقيتة للاستقرار المجتمعي الذي تعيشه البلاد في ظل التناغم حول الهوية الحضارية والتماسك الوطني والروحي من خلال توافق القوانين والسياسات العامة والمظاهر الاجتماعية مع متطلبات الحياة الدينية والأخلاقية والتشريعية للمجتمع.
فجاء ذلك التحريض تلبية للتوجيهات الخارجية باستمرارية محاولات بث الافتراق الوطني وزعزعة الاستقرار الداخلي للبلاد، وزرع بذور الفتنة طمعا في تبني المجتمع الفلسفي حالة عدائية وثورة فكرية وثقافية معادية للدولة المدنية والنظام الحاكم.
ثالثًا:
عندما لم يفلح التباكي في مرحلته الأولى في تحقيق غرضه التخريبي الخبيث جاءت المرحلة التالية تأليبًا للدولة على البيت الفلسفي بزعم انتماء أبنائه وتبنيهم أفكار تيارات الإسلام السياسي (السلفي، الإخواني)؛ ذلك الاتهام الجاهز الذي يرمي به العلمانيون والحداثيون جميع خصومهم المعارضين سواء أكانوا ممن يتبنون نهج الإسلام الحضاري أم كانوا من غيرهم.
وهم لا يكتفون بتضمين تلك الاتهامات الجاهزة مقالاتهم وأحاديثهم الإعلامية بل يصدرون به تقاريرهم الخفية إلى الجهات المعنية.
رابعا:
انتقل التباكي والمتباكون إلى نمط جديد في إشهار قميص عثمان الفلسفي بغرض إشعال الفتنة الطائفية بين عنصري الأمة المصرية واستمرارية النفخ في وقودها الخبيث بدهاء وعزم شديد.
وقد حدث ذلك مرتين: الأولى: عند وفاة الدكتور مراد وهبه وانطلاق الاسكريبت المتسهوك الذي تبعته المنشورات والمقالات الأخرى على دربه التضليلي على الرغم من أنهم لم يشاركوا في التأبين الفلسفي الذي أقامته الجمعية الفلسفية المصرية للدكتور مراد وهبه.
الثانية: بمناسبة حفل التخرج لطلاب جامعة بدر وما واكبه من لغط حول تحفظ عميد الطب البيطري المسؤول عن التنظيم على زي الخريجة جومانة.
فسرعان ما انطلق الاسكريبت المتسهوك نفسه ليشعل نيران الفتنة آخذا بقرونها نحو مهالك الطائفية أملا في شق صف الشعب المصري المتآخي حضاريا وتاريخيا ودينيا بطبعه التسامحي والتصالحي.
خامسًا:
تصفية الحسابات الشخصية، فصاحب اسكريبت الإرضاع التضليلي يتخفى دوما وراءه لتصفية حساباته مع مخالفيه؛ متجنبا تحديد أسمائهم أو تعيين مواقفهم، مكتفيا بالشروع في الطعن فيهم من خلال هوياتهم الفلسفية؛ وذلك خوفا من الحوار المباشر أو الصدام الذي يخشى خسرانه نظرا لتهافت مزاعمه ودعاواه وهشاشة بيته الزجاجي.
سادسا:
أن الانفلات اللاأخلاقي الذي حمله خطاب التباكي المتسهوك على الفلسفة ليس أسلوبًا في إرهاب المخالفين وتخويفهم، وإنما تأكيد على الطابع اللاأخلاقي للعلمانية الذي تعتد به أساسًا فكريا لتبرير السلوك المنفلت بوصفه قناعات فكرية وعقلية ومنطلقات فلسفية يتسق فيها الحداثي والعلماني مع ذاته.
وهذا ما يفسر عجزهم في الرد على مخالفيهم عن استعمال المنطق أو الحجة والهروب دائما إلى المستنقع اللفظي البذئ؛ لأن البناء النفسي كله قائم على وَهْمٍ؛ وأسهل الطرق في الدفاع عن الوَهْم هو ممارسة العنف اللفظي بالسب والقذف بأقذرالألفاظ على وسائل التواصل الاجتماعي.
سابعًا:
الجهالة المعرفية والسلوكية بمهمة الفلسفة وكذلك غايتها الوظيفية. فالفلسفة غايتها الوظيفية جعل الناس أفاضل؛ لينالوا السعادة في الدنيا والآخرة ومن هنا جاء قرانها بالدين؛ وكذلك جاء أحد تعريفاتها بأنها: التشبه بأخلاق الإله. ولهذا كذلك كانت الأخلاق أحد أهم فروع ومقررات الفلسفة وروافدها في بناء الإنسان إذ إنها تساوي بين الفضيلة وبين السعادة.
سادسا:
الجهل بأسس الحوار الفلسفي وأصوله وأشكاله المتنوعة وبالحد الأدنى من أدبيات الخطاب وأدب التعاطي مع المخالف؛ ذلك الأمر الذي قاد اسكريبت الإرضاع التضليلي إلى تبنِّي سيل من الكوارث الخطابية التي لا مكان للمحاسبة على محتواها من السب والقذف سوى أمام مكتب النائب العام؛ أو أمام محكمة الجنايات.
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر الاتهامات التالية التي تضمنها الاسكريبت المتسهوك في التباكي على الفلسفة:
1- اتهام المجتمع المصري بأنه مجتمع متريف غير متحضر وقبائلي؛ لا يؤمن إلا بالخرافات والأساطير الدين.
2- تعفُّن عقل النخبة وانحطاط وعي شباب الباحثين الذين يعتنقون نفس الأفكار ويعيدون إنتاج التخلف.
3- الذين يمتهنون الفلسفة إلا على طريقة الاسكريبت المتسهوك ينتسبون إليها ظلما؛ لأنهم ليسوا أحرارا بل عبيد يعشقون عبوديتهم. ولا ندري متى استعبد تجار الحداثة وثكالى العلمانية الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
4- أساتذة الفلسفة في معظمهم إما مرضى نفسيون، أو ذوو وعي أدنى من وعي سائقي التكتوك.
5- أساتذة الفلسفة معظمهم منحطون مثل السائمة والسفلة.
6- أساتذة الفلسفة معظمهم ذواتهم ضائعة ومهدرة ومنسحقة مثل كلاب الشوارع.
وإزاء هذا الخطاب المنفلت عقليًا وأخلاقيًا أجدني مُلْزمًا إنسانيًا وأخلاقيا بوصفي أستاذًا للفلسفة الإسلامية وحوار الأديان، وبصفتي نائبًا لرئيس الجمعية الفلسفية المصرية بتقديم اعتذار واجب لكل مَنْ طالته قبائح هذا الخطاب العلماني الصادم.
فأتقدم بالاعتذار إلى:
أولا: الشعب المصري الأصيل الذي شيَّد حضارة عظيمة ومجتمعا أخلاقيا راقيًا مثَّل للعالم فَجْر الضمير كما قال هنري بريستد.
ثانيًا: أساتذتي الأكارم الذين علمونا الفلسفة ومعها الأخلاق، وزملائي الأفاضل أساتذة الفلسفة الذين حافظوا على مسيرة الفكر الفلسفي ونهضته بمصر منذ عصر أجدادهم قدماء المصريين حتى اليوم.
ثالثا: الباحثين الشباب حملة راية المسيرة البحثية والتعليمية في ظروف قاسية إلى جانب أجيال الأساتذة والرواد.
رابعا: النخبة الثقافية والتعليمية والاجتماعية والسياسية المصدومة بمحتوى هذا الخطاب المزري الصادر ممن ينتسب إلى البيت الفلسفي والفكري.
خامسًا: أبنائنا الباحثين طلاب الجامعة الذين سيوقعهم حظهم العاثر تحت سطوة صاحب اسكريبت سهوكة التباكي على الفلسفة كي يتلقوا على يديه (وهو فاقد الشيئ الذي لا يستطيع إعطاءه) في مباحث الفلسفة وبناء الإنسان وتأسيسه على الأخلاق الفاضلة.
مما لا نملك حياله إلا الدعاء لأبنائنا الطلاب أن يعينهم الله بأن يمدهم الله بمدده من التنوير الحضاري العاصم لهم والمُلْحِق لهم بأهل النجاة الذين شملهم الله بالتحصين في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).


















0 تعليق