لماذا نحب قصص البقاء

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا نحب قصص البقاء, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 05:40 صباحاً

تستهويني قصص البقاء، وتهيم الروح وأترجل الأراضي وأخوض غمار البحار بعد كل قصة أقرؤها، أو حكاية أعيش تفاصيلها بكل جوارحي، لا أكتفي بتتبع أحداثها فقط؛ بل أعيشها لا بل وتسكنني وكأنني أنا بطلتها. يأخذني أبطالها، وأرسم لهم في خيالي معابر نجاة، وكأن سلامهم شرط لطمأنينتي. تغدو شمعتي مشتعلة في قصص البقاء، لا أبحث عن نهاية سعيدة بقدر ما أبحث عن دليل يؤكد على الاستمرارية، رغم أن دوام الحال من المحال.

منذ سالف العصور والأزمان لم تك البطولة تجسيدا للجسد الأقوى، والأكثر هيمنة بل الأبقى. ذلك الذي تبرم الجوى والجزع، واجتاز ضيق الكربة، وأسى المصائب، متكئا على اليقين، وكما قال الشاعر ابن خفاجة "وحسبي إذا ما أوجعتني كربة بمؤنس يعقوب ومنقذ يونس" ولهذا، لم تك قصة خروج النبي يوسف عليه السلام من الجب، مجرد حدث عابر في السرد، بل واحدة من أعمق قصص النجاة في الذاكرة البشرية.

التاريخ مليء بنماذج مماثلة؛ من بحارة تاهوا في عباب البحر ومتاهاته، غدت مراكبهم نائمة وهي تطفو، لكنهم ساروا في دروبهم فحولوا التيه إلى خرائط جديدة للعالم، إلى شعوب سلبت أرضها، لكنها أمنت دهرها ونهضت، فاستردت ذاتها قبل أن تسترد حدودها. وفي كل مرة، لم تك النجاة عودة إلى ما كان، بل ولادة مختلفة لما يمكن أن يكون. ولهذا، ننجذب إلى قصص البقاء لا بوصفها حكايات استثنائية فحسب، بل لأنها تشبهنا؛ وتمنحنا درسا خفيا بأن المعجزات لا تكون دائما ظاهرة، بل قد تأتي على هيئة استمرار عنيد في الحياة.

النجاة، في جوهرها، ليست انتصارا خارقا، بل اختيار داخلي ويقين بالرغبة في الاستمرارية. أن تحاصر دون أن تفقد قيمك، أن تظلم دون أن تصبح ظالما، أن تنجو دون أن تفسدك التجربة، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في السيطرة والتغول على الآخرين، بل في كبح جموح الذات، وفي القدرة على الاستمرار حين يسحب الألم كل بساط تحت أقدامنا. إنها لحظة تتوارى كل يوم في مهجتنا، حين ننهض بعد أن صدمنا بالخسارة، حين نكمل طريقنا رغم الخوف والخذلان، حين نرفض السماح للتجربة أن تسرق منا إنسانيتنا.

في كل مرة ننجو فيها بصمت، نظل نذكر أنفسنا أن ما مر بنا لم يكن نهاية الطريق، بل فصل من قصة أكبر، وأن الضعف الذي شعرنا به كان بوابة نحو فهم أعمق للحياة. وفي قلب هذه اللحظات، تكمن الحقيقة التي لا تتغير، وهي أن النجاة ليست مجرد حدث، بل رحلة نحو معرفة الذات، وفهم العالم، والتمسك بما يضيء داخلنا من نور مهما بدا البحر معتما. عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، متفق عليه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق