الجامعات وأزمة الهوية المؤسسية: بين منطق السوق والبيروقراطية

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الجامعات وأزمة الهوية المؤسسية: بين منطق السوق والبيروقراطية, اليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 10:31 مساءً


يشكل التحول الذي تشهده الجامعات في المملكة العربية السعودية وغيرها، من نموذج بيروقراطي حكومي تقليدي إلى نموذج يستلهم آليات السوق وأدوات إدارة الأعمال، منعطفا استراتيجيا مهما. فمن حيث المبدأ، يستهدف هذا التحول تعزيز الكفاءة، ورفع المرونة، وتحسين الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد والمجتمع. غير أن التطبيق العملي يكشف عن مفارقة جوهرية تتمثل في تطبيق جزئي لمنطق السوق دون استكمال متطلباته المؤسسية، ما أفرز حالة من الالتباس في الهوية المؤسسية للجامعات.

فالقطاع الخاص يقوم بطبيعته على تعظيم المنفعة عبر المنافسة، وخفض التكاليف، وتعظيم العوائد، مستندا إلى فهم دقيق للسوق وبناء شراكات وثيقة مع الفاعلين الرئيسيين فيه من عملاء، وموردين، ومراكز الأبحاث، والتطوير. إلا أن الجامعات، رغم تبنيها الظاهري لبعض أدوات هذا النموذج، ما تزال تعاني ضعفا في الارتباط الفعلي بالسوق بشقيه الصناعي والتجاري. فالعلاقات التشاركية مع الشركات الكبرى محدودة، والتكامل مع الأجهزة الحكومية في مجالات الاستشارة التطبيقية لا يزال دون المستوى المطلوب، ما ينعكس على فجوة واضحة بين مخرجات التعليم والبحوث من جهة، واحتياجات الواقع من جهة أخرى. وبهذا، تبقى الجامعات في كثير من الأحيان كيانا تنظيميا شبه مغلق، يؤدي بكفاءة إجرائية بيروقراطية، لكنه يفتقر إلى الفاعلية التنموية.

غير أن الإشكالية الأعمق تتعلق بالطبيعة المؤسسية للجامعات ذاتها. فهي ليست مجرد منظمات لإنتاج خدمات تعليمية، بل هي مؤسسات اجتماعية ذات دور حضاري يتجاوز المنفعة الاقتصادية المباشرة؛ إذ تسهم في إنتاج المعرفة، وصياغة القيم، وإعادة تشكيل الوعي المجتمعي. ونجد في سياق الدول النامية، تعاظم أهمية هذا الدور بوصفه ركيزة للتنمية الشاملة. ومن ثم، فإن اختزال صناعة القرار في الجامعة على معيار التكلفة والعائد المالي دون الاعتبار الكافي للبعد الأكاديمي والثقافي والاجتماعي يخل بتوازنها الوظيفي، ويؤدي إلى تراجع جودة أداء العملية التعليمية والبحثية وخدمة المجتمع.

ويبرز هذا الخلل بوضوح في حالة السياسات المرتبطة بإلغاء بعض الكليات والبرامج الأكاديمية بقرارات إدارية مباشرة، بدلا من إخضاعها لمنطق تنافسي مرن يتيح لها التكيف وإعادة التموضع. كان من الممكن أن تتجه هذه البرامج نحو الاندماج، أو التحول إلى معاهد تطبيقية وتخصصات مساندة، أو مراكز بحثية متخصصة، أو إعادة تصميمها بما يتلاءم مع احتياجات السوق.

إلا أن النظرة الضيقة لبعض التخصصات أسهمت في تقليص أدوارها، كما هو الحال في تخصص الجغرافيا، الذي يعد في جوهره علم المكان، وتمتد تطبيقاته إلى مجالات استراتيجية متعددة تشمل التخطيط الحضري، وسلاسل الإمداد، والتسويق، والنقل، والصحة العامة، بل وحتى التطبيقات العسكرية عبر نظم المعلومات الجغرافية. وينطبق الأمر ذاته على تخصص اللغة العربية، الذي لا ينبغي النظر إليه بوصفه حقلا معرفيا تقليديا محدود الأثر، بل باعتباره مكونا استراتيجيا يتقاطع مع قطاع الثقافة والإعلام، وهو قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالهوية الوطنية، وصناعة المحتوى، وتعزيز القوة الناعمة، وبناء السردية الثقافية للدولة في الداخل والخارج.

ومن زاوية تحليلية أعمق، لا يمكن فهم أزمة الهوية المؤسسية بمعزل عن ضعف تفعيل الحوكمة المؤسسية كآلية مركزية لصناعة القرار داخل الجامعة. فالحوكمة لا تعني مجرد هياكل تنظيمية أو لوائح إجرائية، بل تمثل منظومة متكاملة تضبط العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وتحدد أدوار مجالس الجامعة، والكليات، والأقسام، وتضمن الشفافية، والمساءلة، والمشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار. ولذا نجد أن ضعف مأسسة الحوكمة يؤدي إلى مركزية مفرطة في القرارات الاستراتيجية كما في إلغاء البرامج الأكاديمية أو إعادة هيكلتها، دون إشراك كاف للخبرات الأكاديمية والتخصصية، ما يفضي إلى قرارات قد تكون كفؤة إجرائيا، لكنها محدودة الأثر من حيث الفاعلية والجودة والاستدامة.

وعليه، يتطلب تطوير صناعة القرار في الجامعات، الانتقال من نموذج القرار «الإداري المركزي» إلى نموذج «الحوكمة اللامركزية»، القائم على الأدلة، والتحليل المؤسسي، والمشاركة عديدة الأطراف، وقيم الشفافية والمساءلة. ويشمل ذلك تفعيل مجالس الأمناء واللجان الأكاديمية المتخصصة، وتعزيز استقلالية الأقسام العلمية بمنحها صلاحيات إدارية ومالية ضمن إطار مساءلة واضح، وربط القرارات الاستراتيجية بمؤشرات أداء ومخرجات قابلة للقياس. كما أن الحوكمة اللامركزية تمثل الجسر الذي يمكن من خلاله التوفيق بين منطق السوق ومتطلبات الرسالة الأكاديمية، دون تغليب أحدهما على حساب الآخر.

ومن زاوية أخرى، فإن التركيز المفرط على خفض التكاليف، دون مراعاة التفاوت في قدرة البرامج على توليد القيمة سواء الاقتصادية أو المعرفية، يؤدي إلى نتائج عكسية. إذ لا يستقيم منطقيا أو إداريا التعامل مع جميع البرامج كوحدات تكلفة متشابهة، في حين أن بعضها يمتلك قدرة أعلى على الجذب والابتكار وتحقيق العوائد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التحول من نموذج «مراكز التكلفة» إلى «مراكز القيمة أو الربحية»، بما يعزز الحوافز ويدعم التميز الأكاديمي للبرامج والأقسام.

وعلى المستوى التنظيمي، تبدو الحاجة ملحة لإعادة بناء الثقافة المؤسسية داخل الجامعات. فلا يمكن تبني أدوات إدارة الأعمال بصورة انتقائية؛ إذ إن نجاح هذا النموذج يتطلب تكاملا في التطبيق. ويتأسس ذلك على صياغة استراتيجية واضحة تنبثق من حوار مؤسسي واسع يشمل جميع المستويات الأكاديمية والإدارية، ويتيح مناقشة القضايا الجوهرية دون قيود. فإشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين من أعضاء هيئة التدريس، والقيادات الأكاديمية، والطلاب، والقطاعين العام والخاص، لا ينبغي أن يكون شكليا، بل جوهريا يضمن جودة القرار ويعزز الالتزام بتنفيذه.

ومتى ما توافرت استراتيجية تحظى بالقبول المؤسسي، يصبح من الضروري بناء منظومة متكاملة لإدارة الأداء، تشمل التخطيط، والمتابعة، والتقييم، والتغذية الراجعة، والتحفيز، والتطوير، على أن تكون مرتبطة بشكل مباشر بالأهداف الاستراتيجية للجامعة. وبذلك تتكامل وظائف الجامعة الأساسية والتي تشمل التدريس، والبحث، والاستشارة، وخدمة المجتمع، ضمن إطار موحد. فالإشكالية في الغالب لا تكمن في صياغة الاستراتيجيات، بل في تنفيذها، وهو ما يتطلب تعزيز ما يعرف بالمواطنة التنظيمية (الانتماء والولاء التنظيمي)، خاصة في بيئة أكاديمية تعتمد بدرجة كبيرة على النضج المهني والأخلاقي لمنسوبيها.

من ناحية أخرى، يتبنى بعض رجال الأعمال مقولة «مواءمة مخرجات التعليم مع سوق العمل»، غير أن هذا الطرح لا يعكس الواقع، فالدور الأساسي للجامعة يتمثل في بناء القدرات التحليلية والنقدية للطلبة، بما يمكنهم من التعامل مع تعقيدات الواقع المتغير فهما وقدرة على معالجة المشكلات، وليس فقط تزويدهم بمعارف تلبي احتياجات آنية. ومن ناحية أخرى، يفترض أن يسهم القطاع الخاص في تطوير هيكل الاقتصاد وأنماط الإنتاج بما يستوعب هذه المخرجات ذات الاختصاصات المتنوعة، كما ينبغي العمل على تعزيز الاستثمار في البحث العلمي بوصفه ركيزة أساسية لدعم الابتكار وتحفيز الاقتصاد المعرفي، من خلال توجيه الموارد نحو البحوث التطبيقية ذات الأثر التنموي، وبناء شراكات فاعلة بين الجامعات وقطاعات الصناعة والأعمال. ما يؤدي إلى تطوير منتجات وخدمات عالية القيمة، ورفع مستوى التنافسية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للمعرفة والتقنية، على نحو يتسق مع الأولويات الوطنية والأهداف التنموية طويلة المدى.

إن التحول نحو إدارة الجامعات بمفهوم آلية السوق في تعظيم العوائد المالية، قد يكون خيارا متسقا مع طبيعة الجامعة ووظيفتها، لكنه يظل مرهونا بإدارة تغيير فعالة تعيد تعريف الهوية المؤسسية بشكل واضح ومتفق عليه، على أن تكون الحوكمة المؤسسية في صميم هذا التحول كأداة لضبط التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والرسالة الأكاديمية. دون ذلك، ستظل الجامعات عالقة في منطقة رمادية بين البيروقراطية والسوق، دون أن تحقق مزايا أي منهما بشكل كامل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق