قدّم قادة العالم، من خلال كلماتهم في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بعضا من أشد الرسائل الموجهة إلى إسرائيل حتى اليوم. فمن الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ومن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انتقد كثير من القادة الحكومة الإسرائيلية بشدة على خلفية ما يحدث في غزة.
أما صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، فنقلت أجواء الجمعية العامة تحت عنوان: («إبادة جماعية»، «معسكر اعتقال»، «جريمة حرب».. إسرائيل تواجه وابلا من الانتقادات في الأمم المتحدة). المشهد في نيويورك لم يعد يفتح النقاش حول غزة فحسب، بل حول مكانة إسرائيل في العالم ومستقبل النظام الدولي الذي تأسس عام 1945.
العالم لم يعد يتساءل عن البيانات والإدانات والعبارات الدبلوماسية الصادرة من نيويورك، وإنما ما تغيّره هذه المواقف على أرض الواقع. لقد كشفت الأحداث في غزة أمام أنظار العالم بأسره الفجوة بين القانون الدولي وسياسة القوى الكبرى
وكانت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن فلسطين مهمة أيضا من هذا المنظور. إذ قال إن دعم حل الدولتين يجب أن «يتجاوز الكلمات»، مؤكدا أن حل الدولتين على أساس حدود ما قبل عام 1967 هو الطريق إلى السلام والأمن الدائمين. وفي الواقع، فإن عبارة «تجاوز الكلمات» لا تلخص القضية الفلسطينية فحسب، بل تلخص أيضا الأزمة التي تمر بها الأمم المتحدة. فالعالم لم يعد يتساءل عن البيانات والإدانات والعبارات الدبلوماسية الصادرة من نيويورك، وإنما ما تغيّره هذه المواقف على أرض الواقع. لقد كشفت الأحداث في غزة أمام أنظار العالم بأسره الفجوة بين القانون الدولي وسياسة القوى الكبرى. ولفهم الأزمة الراهنة، لا بد من العودة قليلا إلى الوراء. فقد كانت عصبة الأمم، التي تأسست عام 1920 عقب الحرب العالمية الأولى، نتاجا لمرحلة تصاعد فيها خطاب ويلسون حول «حق الأمم في تقرير مصيرها»، وفي الوقت نفسه تفككت فيها الإمبراطوريات، وأعيد رسم الحدود، وتحولت أوراسيا إلى ساحة كبرى للصراع الجيوسياسي. وكان كتاب «المثل الديمقراطية والواقع» الذي نشره الجيوسياسي البريطاني هالفورد ماكيندر عام 1919، أحد النصوص المهمة التي عكست هذه العقلية. فقد كان ماكيندر يرى أن خضوع أوراسيا لهيمنة قوة كبرى واحدة يشكل تهديدا استراتيجيا للقوة البحرية البريطانية. ولم تتمكن عصبة الأمم من منع الحرب العالمية الثانية، وحلّت محلها الأمم المتحدة عام 1945؛ غير أن سياسة القوة لم تختفِ، وإنما واصلت وجودها في ظل مؤسسات ومفاهيم جديدة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية للأمم المتحدة اليوم. ثمة محاولة لإدارة عالم القرن الحادي والعشرين، وفق توزيع القوى الذي كان قائما عام 1945. ففي عالم تصاعدت فيه قوة الصين، وازداد ثقل الهند، وأخذت دول مثل تركيا والبرازيل والسعودية وإندونيسيا تتبع سياسات أكثر استقلالية، فيما تتزايد مطالبة افريقيا بالتمثيل، باتت الامتيازات التي يتمتع بها الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، وفي مقدمتها حق النقض، موضع تساؤل أكبر بكثير. وتشير عبارة الرئيس أردوغان التي يكررها منذ سنوات، «العالم أكبر من خمسة»، تحديدا إلى هذه المشكلة الهيكلية. لقد تغير العالم، وتعددت مراكز القوة، لكن آلية اتخاذ القرار في الأمم المتحدة بقيت إلى حد كبير على حالها.
ولعل الجانب الأكثر لفتا للانتباه، أن الاعتراض على الأمم المتحدة لم يعد يأتي من الجنوب العالمي وحده، ففي الولايات المتحدة، القوة المؤسسة للنظام وحاملته، تتعرض الأمم المتحدة أيضا لتشكيك كبير. وكان السؤال الذي طرحه دونالد ترامب العام الماضي من على منبر الجمعية العامة، «ما هو الهدف من الأمم المتحدة؟»، بمثابة خلاصة للمقاربة الجديدة في واشنطن. وكان ترامب يقول، إن الأمم المتحدة تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها بقيت بعيدة جدا عن استغلال هذه الإمكانات، ولم تتمكن من تجاوز «كتابة رسائل تتضمن عبارات قاسية». وهنا تكمن مفارقة تاريخية كبيرة، فالأمم المتحدة، التي كانت ذات يوم إحدى المؤسسات الأساسية للنظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تتحول اليوم إلى منصة تُنتقد فيها سياسات واشنطن، ولا تتبع فيها الدول الأعضاء الخيارات الأمريكية بصورة تلقائية. ولهذا السبب تحديدا أصبحت غزة مرآة للأمم المتحدة. فمن جهة، تكشف الانتقادات الشديدة المتصاعدة ضد إسرائيل في الجمعية العامة حجم الضغوط الدبلوماسية التي يواجهها الجانب الإسرائيلي، ومن جهة أخرى، تكشف تناقضات النظام الدولي. ولم يعد بالإمكان تجاهل أن هناك مؤسسة يُقال، إن الدول فيها متساوية قانونيا، بينما تتمتع خمس دول بحق النقض؛ وأن القرارات التي تحظى بتأييد أغلبية كبيرة في الجمعية العامة لا تجد صدى لها في مجلس الأمن؛ وأن تطبيق القانون الدولي يصطدم باستمرار بمصالح القوى الكبرى. كما أن نقل صحيفة «يديعوت أحرونوت» أجواء نيويورك بهذه التعابير اللافتة، يظهر أن النقاش لم يعد محصورا بين الحكومات، وإنما امتد إلى الرأي العام الغربي وإلى النقاشات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ولعل أهم حقيقة أظهرتها لنا الدورة الـ81 للجمعية العامة هي، أن في نيويورك لا يجري النقاش حول مستقبل غزة أو فلسطين أو إسرائيل فحسب؛ بل يجري أيضا النقاش حول مستقبل النظام العالمي، الذي تأسس عام 1945. لأن الأمم المتحدة لم تمت بعد، لكن العالم الذي أنشأها يختفي بسرعة. وأمام المنظمة طريقان؛ إما أن تمضي نحو إصلاح جذري يستوعب توازنات القوى الجديدة والفاعلين الجدد والمطالب المتصاعدة بالعدالة، أو تتحول إلى منبر عالمي ضخم تتزايد فيه الكلمات، بينما تتراجع نتائجه أكثر فأكثر. وستواصل غزة دورها كمرآة لهذا الحساب التاريخي الكبير.
كاتب تركي

















0 تعليق