“إندبندنت”: في مباراة أيرلندا ضد إسرائيل تتداخل السياسة وتعاطف الأيرلندييين مع فلسطين

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “إندبندنت” تقريرا أعده ميغيل ديلاني، تناول فيه الجدل حول رفض فريق كرة القدم الأيرلندي لعب مباراة الذهاب أمام الفريق الإسرائيلي، وذلك ضمن دوري الأمم الأوروبية.

وأشار إلى لافتة علقت على مبنى “ليبرتي هول” في دبلن، مقر النقابة العمالية الرئيسية في البلاد، على بعد كيلومترين من ملعب أفيفا، الذي كان من المفترض أن تجرى عليه المباراة. وتحض اللافتة المنتخب الوطني على “إيقاف المباراة”.

وهذا هو أيضا اسم الحملة الشعبية التي تقف وراء اللافتة، والتي تضيف: “اتبعوا ضمائركم، ولا تشاركوا في لعبة تتماهى مع الإبادة الجماعية”.

وقد وسع المدرب الأيرلندي هيمير هالغريمسون نطاق هذه العبارات الأخيرة أثناء إعلانه عن تشكيلة الفريق الأسبوع الماضي، قائلا: “نحن لا نلعب مع الإبادة الجماعية، بل نلعب ضد الإبادة الجماعية. نحن نلعب ضد إسرائيل، ولا نلعب مع إسرائيل”.

وقد أثارت هذه النبرة الحادة مفاجأة، لكنها عكست حالة التعبئة الكبيرة في المجتمع الأيرلندي بشأن هذه المباراة، وفي الوقت نفسه أثارت غضب إسرائيل.

وصرح متحدث باسم الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بأنه “من المستحيل توجيه اتهام بالإبادة الجماعية ضدنا دون الرد عليه”، مضيفا في منشور رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي: “لم نجد بعد علاجا للغباء والجهل والنفاق التي أظهرها [هالغريمسون]. نحن لا نلعب مع الجهل والنفاق والغباء، بل نلعب ضد المدرب الذي يجسد هذه الصفات”.

وتشير التقارير إلى أن الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم يدرس تقديم شكوى إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا)، وسط توقعات بأن اللاعبين لن يتبادلوا القمصان عند صافرة النهاية، وأن المدرب الإسرائيلي ران بن شمعون لن يصافح نظيره هالغريمسون.

حدث كل هذا يوم الاثنين، أي قبل ستة أيام من المباراة الأولى. ولا عجب في أن الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم ألغى جميع الارتباطات الإعلامية، باستثناء تلك التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، حيث وصف رئيس الاتحاد، ديفيد كوريل، هاتين المباراتين بأنهما “مواجهتان استثنائيتان”.

تخوض إسرائيل مباراتها البيتية في مدينة ديبريسين المجرية يوم الأحد، قبل أن “تستضيف” أيرلندا مباراة الإياب يوم الأحد التالي في مدينة باتشكا توبولا الصربية. وستكتفي هيئة البث الأيرلندية “آر تي إي” ببث مباشر للمباريات وفاء بالتزاماتها التعاقدية، دون أي تغطية إضافية، حيث تم استبعاد كافة الجوانب التجارية المعتادة. وستقتصر الرسائل المعروضة على لوحات الإعلانات الإلكترونية في صربيا على شعارات تدعو إلى “الاحترام”، بينما لن تجرى البروتوكولات التقليدية، مثل مآدب العشاء مع مسؤولي الفريق الخصم.

ويعود ذلك في الغالب إلى حالة الغضب العارم في أيرلندا بشأن الوضع في غزة، وهو ما ساهم في خلق ظروف وصفتها شخصيات كرة قدم عديدة، بما في ذلك مسؤولون كبار في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا)، بأنها “غير مسبوقة”، حيث قال مصدر: “لم أشهد شيئا كهذا من قبل”.

وفي أيرلندا، هيمن الجدل حول رفض خوض المباراة على النقاش العام، وسط انتقادات حادة وجهت إلى الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم واتهامه بـ”الجبن”.

وكان فينتان دروري، وهو وكيل لاعبين أيرلندي سبق أن نشر كتابين ينتقدان الدعم الغربي لإسرائيل، من أبرز الأصوات المعارضة. إذ قال: “يتم قمع الدعم الشعبي لفلسطين بسبب الجبن المؤسسي، بدءا من الحكومة التي تتبنى مواقف متناقضة، فقد سهل لامبالاة الحكومة على مجلس إدارة الاتحاد الأيرلندي التراجع عن دعوته لليويفا بحظر إسرائيل، ليقرروا خوض المباريات لاحقا عندما وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة معها”.

ومن أسباب إقامة مباراة أيرلندا البيتية في صربيا ما وصفه كوريل بـ”التحديات التشغيلية” التي “قد تؤثر على سير المباراة” في دبلن؛ إذ كانت أي مباراة من هذا النوع ستواجه احتجاجات واسعة النطاق تتهم الجانب الأيرلندي بـ”التطبيع” مع إسرائيل في هذه اللحظة التاريخية الفارقة.

أما في إسرائيل، فيرى المقربون من الفريق أن هذه المباراة تمثل خطوة تالية لمواجهات مماثلة خاضوها على مدار السنوات الثلاث الماضية، ولا سيما مباراة تصفيات كأس العالم في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 خارج الديار ضد النرويج.

وقد أبدت مصادر في كرة القدم الأوروبية تعاطفا مع الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم، نظرا للموقف الدبلوماسي الحساس الذي يجد نفسه فيه، إلا أن هناك أيضا حالة من الاستياء داخل الاتحاد الأيرلندي إزاء تركه وحيدا ليتحمل مسؤولية اتخاذ قرار خوض المباراة.

وأعرب كوريل عن “رغبته” في أن تتخذ مثل هذه القرارات “على مستوى آخر”. وأيد هالغريمسون هذا الرأي، مشيرا إلى مفارقة شائعة تتعلق بروسيا، حيث قال إنه لم يكن هناك “أي تفسير لسبب حظر طرف والسماح للآخر”.

والواقع أن الإجابة تعتمد في المقام الأول على الدول نفسها.

ويتمثل الموقف العام للاتحادين الأوروبي “يويفا” والدولي “فيفا” في عدم حظر الاتحادات الوطنية، انطلاقا من مبدأ أن المنتخب الوطني منفصل عن الدولة القائمة حاليا، وهو ما تشير إليه إسرائيل عادة عبر التنويه بوجود لاعبين عرب في صفوف منتخبها، فضلا عن التردد المفهوم في الاضطرار إلى الفصل المتكرر في النزاعات السياسية.

وبناء على ذلك، لم يبادر أي من الاتحادين الدولي أو الأوروبي إلى حظر روسيا فور غزوها لأوكرانيا، بل اضطرا للاستجابة لرفض بولندا خوض مباراة ملحق كأس العالم، وهو الموقف الذي حظي بدعم دول أخرى عديدة.

ومع ذلك، يفهم أن قيادة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قد تأثرت جدا بحدة الوضع في غزة خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لدرجة أنها أجرت مناقشات غير رسمية حول احتمال التصويت على حظر إسرائيل، إلا أن الخطوة أُجلت بسبب مفاوضات السلام. وجاء ذلك قبيل المباراة التي أقيمت في النرويج، والتي كانت بمثابة نذير لما سيواجهه المنتخب الأيرلندي في مباراته. وشهدت المباراة احتجاجات تحت شعار “أوقفوا المباراة الوطنية”، وكانت تعد الحدث الرياضي الأكثر تشديدا من الناحية الأمنية في البلاد منذ دورة الألعاب الأولمبية الشتوية عام 1994. وقد خاضت رئيسة الاتحاد النرويجي، ليزي كلافينيس، مؤتمرا صحفيا مشحونا بالتوتر، نظرا لأنها كانت قد قادت سابقا دعوات لحظر إسرائيل.

وشددت كلافينيس على أن موقفها لم يكن مبنيا على الاستنتاجات الأخيرة للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، بل على مخالفة الفرق الإسرائيلية لقواعد الاتحاد الدولي المتعلقة باللعب على أراض محتلة. وكانت هذه الحجة قد طرحت لأول مرة أمام الاتحاد الدولي من قبل الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، ثم تبناها الاتحاد الأيرلندي في مراسلاته مع الاتحاد الأوروبي عام 2024. غير أن لجنة مستقلة تابعة للاتحاد الدولي لم تصدر حكما بشأنها، متذرعة بـ”الوضع القانوني غير المحسوم” للضفة الغربية، وذلك رغم حكم محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال غير قانوني.

وتعود جذور علاقة أيرلندا مع فلسطين إلى أكثر من قرن مضى، حين خدم المسؤولون الاستعماريون البريطانيون أنفسهم في كلا البلدين، مما أدى غالبا إلى عقد مقارنات، لا سيما مع أيرلندا الشمالية. ففي عام 1980، كانت أيرلندا أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تدعو إلى قيام دولة فلسطينية. أو كما عبرت إحدى الشخصيات في كرة القدم الأيرلندية: “ينبغي أن تكون صور الأطفال القتلى كافية [لإدراك الموقف]“. ومع ذلك، تتجلى أبعاد هذه العلاقات المعقدة في حقيقة أن الحياد الذي التزمت به أيرلندا خلال الحرب العالمية الثانية تسبب لاحقا في توتر علاقاتها مع إسرائيل.

ويصر الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم على ضرورة مراعاة المصالح طويلة الأمد لكرة القدم الأيرلندية، مشيرا إلى أن المقاطعة قد تكلف أكثر من 5.5 مليون يورو، فضلا عن تحذير الأعضاء من احتمال فرض عقوبات إضافية. ومع ذلك، يتضح دقة وحساسية الموقف الذي يتخذه الاتحاد من خلال تأكيد كوريل، المسؤول في الاتحاد، أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لم يوجه أي تهديدات من هذا القبيل.

وثمة اختبار محتمل لموقف الاتحاد الأيرلندي يتمثل في قرار محكمة التحكيم الرياضي “كاس” بتأييد رفض بولندا اللعب ضد روسيا. غير أن اعتبار ذلك سابقة قانونية يظل أمرا قابلا للنقاش؛ إذ استند الاتحادان الدولي والأوروبي في قراراتهما إلى مبررات تتعلق بالسلامة لتبرير تعليق مشاركة روسيا، حتى في الملاعب المحايدة. والأهم من ذلك، أن ذلك القرار جاء في ظل تهديد دول عديدة بالمقاطعة، بينما ستضطر أيرلندا، في حال اتخاذها قرارا مماثلا، إلى تحمل مخاطر العقوبات بمفردها.

وقد أكد كوريل أن الاتحاد الأيرلندي يواصل جهود الضغط من أجل حظر مشاركة إسرائيل، إلا أن هناك تشكيكا في جدية هذه الجهود، سواء بين أعضاء الاتحاد أو داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. ومع ذلك، ألمح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى إمكانية النظر في فصل المنتخبات عن بعضها البعض مستقبلا بناء على مثل هذه التوترات، وقد يكون ذلك أحد الآثار المترتبة على هذه المباراة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق