الخليج العربي: بين سرديات الشرق ونبوءات الشتات

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الخليج العربي: بين سرديات الشرق ونبوءات الشتات, اليوم الاثنين 30 مارس 2026 11:07 مساءً

«إسرائيل الكبرى»؛ من أكثر المصطلحات السياسية رواجا هذه الأيام، شيء من هذا المصطلح قادم من نبوءات تاريخية قديمة، وشيء منه أعادت الصهيونية تدويره بقوة بعد السابع من أكتوبر، لتجعل من (النيل إلى الفرات) الحلم القادم الذي يداعب مخيال الصهاينة ليكون الواقع القاتم إن تحقق في الشرق الأوسط الجديد! في المقابل استطاعت الثورة الخمينية السيطرة على أربع عواصم عربية، في إثبات لخطورة مشاريع إيران في المنطقة العربية، والتي شهدت إبان سيطرة إيران على بعض تلك العواصم، الكثير من التجاوزات الإنسانية، التي سجلها التاريخ كجرائم حرب اكتوى بنارها بعض العرب، وما زال الكثير أيضا يعاني ويلات هذه الفكرة الطائفية الضيقة، التي لا ترى في العرب من خلال مخيالها الفكري والسياسي القاصر، سوى ذكرى مريرة لا بد لها أن تزول وتندثر.

مشروع إيران الكبرى وهلالها الشيعي الخصيب ما زال في مخيال الساسة الإيرانيين حلما يتماهى مع مفاهيم الثورة وأساليب تصديرها، تلك المفاهيم التي لا ترى في الجوار ممن يقاسمهم الطريق والطريقة سوى أتباع يوطدون هذا الحلم بدمائهم ومقدرات بلدانهم.

إيران كانت وما زالت بسياساتها العدائية والتوسعية، خطرا يمس الهوية العربية الخالصة؛ بشقيها السني كأمة، والشيعي كطائفة أصيلة كان وما زال لها كامل الحب والود والتقدير في مجتمعاتها العربية الأصيلة، لكن إيران ومن خلال لعبها على وتر الطائفية، استطاعت أن تشكك بعض العرب في هويتهم، بل صادرتها من خلال مشاريعها الثورية، ولم يبق من هذه الهوية في سياقها الطائفي الضيق، إلا أن تصبح - على الأكثر - مجرد رتبة تعريفية متدنية في سلم التعريف بهوية هذا الإنسان البسيط الذي آمن بمشروع إيران التوسعي تحت شعارات ثورية لا تتوافق مع العرب ولا عروبتهم.

في هذه الأيام وعلى الأرض العربية وتحديدا الخليجية، يشتد وقع الأزمة الراهنة بين أمريكا وإسرائيل مع إيران، فالأخيرة تكشفت مفاهيمها عن قناعتها السياسية الخطيرة، وهي أن سر بقائها كنظام ودولة لا يكون إلا من خلال الإضرار بجيرانها العرب، وهذا يفسر سر الضربات الصاروخية التي تعرضت لها دول الخليج العربية وبكثافة نيرانية تفوق ما استهدفت به إيران إسرائيل، وهذا يدعونا إلى التساؤل كشعوب؛ ما الذي جعل النظام في إيران يصل إلى هذه المرحلة العدوانية مع جيران؛ البعض منهم كان الرئة التي تنفس من خلالها هذا النظام طوال عقود من العقوبات، التي شلت الاقتصاد الإيراني الذي أنهكته الحروب والتسليح والوكلاء الذين كانوا وما زالوا يعتمدون عليها اعتمادا كليا، من الإبرة إلى الصاروخ!؟

أمريكا تضغط على هذا النظام، والأخير يوسع دائرة الفوضى في المنطقة، وإسرائيل تستفيد مهما كان حجم الضرر الذي أصابها، فالمهم لدى نتينياهو استمرار هذه الفوضى وتوسع دائرة تأثيرها لتأكل الهلال؛ أخضره ويابسه وخصيبه، ولتعم الفوضى التي تضمن الترتيب الذي ترجوه إسرائيل لشرقنا الأوسط الجديد، لتكون في قلبه من جديد، ولكن هذه المرة من النيل إلى الفرات!

الحروب مهما طالت ستنتهي، ودول الخليج العربية بخبراتها وخيراتها والتفاف شعوبها حول حكامها، قادرة على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه وأفضل - بإذن الله -، فهذه الحرب فرضت على الجميع، والموقف العقلاني الذي اتخذته هذه الدول بمحاولة النأي بالنفس، كان موقفا محترما من الجميع، وخاصة أن هذا الموقف يقطع الطريق على تجار الدماء والأزمات، الذين يريدون إغراق الخليج في مستنقع إيران الجارة، والتي لا بد لها أن تعود إلى رشدها وأن تحكم عقلها، فمهما كانت إيران قوية على جيرانها بما تمثله من جغرافيا وتاريخ وشعب، فإن ذلك لا يمكنها من البقاء وهي تعادي الجميع ويتجنبها الجميع، فالدول التي تشاطئها سواحل الخليج، قادرة بمقدراتها ومساحة تأثيرها أن تكون القوة الوازنة التي تحافظ على استقرار الخليج، وحلحلة خلافات أعضائه بالطريقة التي تضمن عدم المساس بخصوصية الطرفين، وبضمان التعايش المشترك الذي يضمن للطرفين البقاء كدول منحها الله الكثير من الخيرات والثروات، وهذا يقتضي من الجميع الانخراط في تفاهمات تمنع انزلاق المنطقة في مثل هذه المنزلقات الخطيرة والتي ستكون نتائجها وعواقبها وخيمة على ضفتي الخليج الذي لن تغيره الطائفية ولن تعيد مفاهيم الثورة تشكيله من جديد.

أخبار ذات صلة

0 تعليق