الهاكثونات... منابت الأفكار أم مقابرها؟!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الهاكثونات... منابت الأفكار أم مقابرها؟!, اليوم الاثنين 6 أبريل 2026 12:02 صباحاً


في مشهد يبدو في ظاهره احتفاء بالإبداع، تطلق التحديات تحت لافتة (الهاكثون)... منصة يفترض أنها تفتح الأبواب للأفكار الناشئة، وتستقطب العقول الطموحة، لتمنحها المجال لعرض ما لم يعرض، وتقديم ما لم يكتشف، لكن ما يحدث خلف الكواليس، أو لنقل خلف البنود الدقيقة في نماذج التسجيل، يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية تستحق أن تثار بجدية، خصوصا في ضوء ما يلاحظ في بعض النماذج التنظيمية: هل أصبحت بعض الهاكثونات أدوات ناعمة لمصادرة حقوق المبدعين قبل أن تولد مشاريعهم فعلا إلى الحياة؟ وهل يملك صاحب الفكرة فكرته بعد أن يضغط على زر «تسجيل»؟

إن بعض نماذج تنظيم الهاكثونات (رقمية أو تقنية أو إبداعية)، تدرج في سياسات التسجيل والموافقة بنودا تلزم المشارك بالتنازل عن أي حقوق حالية أو مستقبلية تجاه فكرته، بمجرد التقديم، وغالبا ما يمنح المنظم (ترخيصا أبديا غير قابل للإلغاء ولا الرجوع فيه) لاستخدام وتعديل ونشر وتوزيع أي عمل مقدم، والأدهى أن هذه البنود، وإن لم تكن دائما صريحة في ظاهرها، تحمل تأويلات قانونية تمكن الجهة من تطوير الفكرة بمعزل عن صاحبها، دون إشراكه أو حفظ نسبته المعنوية أو المادية.

وإذا أردنا التوسع في المخاوف القانونية، فإن مثل هذه النصوص تعارض صراحة مبادئ حماية الملكية الفكرية كما تنص عليها أنظمة متعددة، سواء على الصعيد المحلي أو وفقا لاتفاقيات دولية مثل اتفاقية بيرن لحماية المصنفات الأدبية والفنية، التي تقر بأن الحقوق المعنوية للمؤلف لا تسقط حتى لو نقلت الحقوق المالية، أي أن اسم المبتكر، وصفته، وحقه في نسبة العمل إليه، يجب ألا تنتزع.

وقد وضعت بعض الدول الغربية تشريعات تحد من هذه الممارسات، ففي فرنسا مثلا، تشترط موافقة خاصة ومكتوبة من المؤلف للتنازل عن حقوقه في الفكرة، ولا يعتد بأي موافقة عامة ضمن شروط تسجيل الكتروني، وفي كندا، هناك حملات حقوقية قوية انطلقت إثر هاكثونات شهيرة تبنت أفكارا ناشئة ثم طورتها لاحقا كمشاريع تجارية دون أي تنويه لأصحابها، مما دفع الجامعات والجهات التنظيمية هناك لإعادة النظر في نماذج التعاقد وأشكال الترخيص.

أما في عالمنا العربي، فما زال كثير من المشاركين يدخلون هذه الهاكثونات بقلوب متقدة بالحماسة، ويخرجون منها بخيبة قانونية أو شعور بالخذلان، حين يلاحظ أن فكرته - التي سهر عليها وطورها - قد طورت لاحقا في مبادرة أو منتج باسم الجهة المنظمة، من غير أي ذكر له.

وفي هذا السياق، لا عجب أن عبر أحد المبتكرين ساخرا حين طلب منه التقديم إلى هاكثون محلي بقوله «كسبانين أفكار ومبتكرات... والمتسابق يجمع حطب على جرادة!»، إنها عبارة شعبية موجعة تختزل حالا متكررة: المشارك يبني الفكرة، يصقلها، ينجز النموذج الأولي، ثم يوقع، وإذا بالجهة المنظمة تحتفظ بكل شيء، فيما هو لا يعود إلا بالتعب والتجربة، إن هذا النمط، الذي لا يحظى في كثير من الأحيان بتدقيق قانوني جاد، يسهم في نفور أصحاب الابتكارات من المشاركة، ويحول منصات دعم الأفكار إلى مصائد تستنزف روح المبادرة لا بيئات تصنع الريادة.

اللافت في الأمر، أن هذه الممارسات لا تنبع من فراغ تشريعي، بل غالبا من فقر إداري أو تسلط تنظيمي داخل بعض الجهات القائمة على الهاكثونات، إذ إن البيئة التشريعية في عدد من الدول قد وضعت أنظمة واضحة لحماية الملكية الفكرية، وخصصت لها هيئات مستقلة، مثل الهيئة السعودية للملكية الفكرية، مع تصنيفات دقيقة للأعمال الإبداعية، من برمجيات وأفكار تطبيقات وتصميمات.

إذًا، ما المشكلة؟ المشكلة في التطبيق، لا في التشريع، في الفهم الأخلاقي، لا في توفر الأنظمة، إذ يفترض أن يكون الهاكثون محفزا آمنا للابتكار، لا فخا ناعما لانتزاع الحقوق، وللأسف، فإن كثيرا من المبدعين صاروا يحجمون عن المشاركة في هذه المنصات بسبب هذه البنود، في الوقت الذي تعاني فيه المؤسسات من فقر المشاريع النوعية، وغلبة التكرار، وتسطح الأفكار.

وثمة بدائل مشرقة، يمكن للجهات المنظمة أن تحذو حذوها، ففي هاكثون MIT Grand Hack الشهير في بوسطن، يتم توقيع اتفاقية تحفظ للمشارك حقوقه الفكرية الكاملة، ولا يسمح باستخدام أي فكرة من قبل الجهة المنظمة دون عقد منفصل مكتوب يضمن حصة عادلة لصاحب الفكرة، بل أكثر من ذلك، تتيح بعض الجهات المشاركة في تطوير الفكرة ضمن مسرعات أعمال أو برامج احتضان، دون أن تشترط التنازل عن الفكرة، وإنما بناء شراكة واضحة تحفظ لكل طرف نصيبه من النجاح.

والمفارقة هنا أن الحرص على حماية الأفكار لا يضعف الجهات المنظمة، بل يقويها، ويمنحها سمعة مشرفة، ويشجع العقول على التوافد بثقة، أما المصادرة المقنعة باسم التنظيم، فإنها تسهم في خلق بيئة خاوية من المبادرات الحقيقية، حيث يسود الحذر على الجرأة، والريبة على الحماسة، والصمت على الإبداع.

المطلوب اليوم مراجعة جادة من الجهات القائمة على تنظيم الهاكثونات لسياساتها الداخلية، وإعادة النظر في كل بند قد يفهم منه التعدي على الحقوق الفكرية، ولو كان ذلك بموافقة الكترونية، كما أن على المؤسسات التشريعية ومراكز الابتكار التدخل لإصدار دليل إرشادي أخلاقي وقانوني لتنظيم مثل هذه الفعاليات، يحفظ للمبدع فكرته، وللمؤسسة دورها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق