صراع السلطة والحكم الذاتي في السويداء

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صراع السلطة والحكم الذاتي في السويداء, اليوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026 02:38 مساءً

تبرز مدينة السويداء كواحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في سوريا في الفترة الأخيرة، فالمواجهات الجارية لا تعكس مجرد خلاف أمني بين القوات الحكومية وتشكيلات محلية مسلحة، وإنما يكشف عن إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الدولة السورية الجديدة، وحدود قدرتها على استعادة احتكارها لاستخدام القوة، وموقف المكونات المحلية التي طورت ترتيبات أمنية وسياسية مستقلة نسبيا خلال سنوات الحرب. 

 

ومن هذا المنطلق فإن أزمة السويداء تمثل اختبارا مزدوجا لدمشق التي باتت مطالبة بإعادة بناء سلطة مركزية قادرة على بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية، لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعا محليا تشكل خلال سنوات الصراع التي أصبح فيها السلاح جزءا من منظومة الحماية الذاتية والضمانات الأمنية. ومن ثم، فإن محاولة تفكيك هذه البنية بالقوة قد تفضي إلى نتائج عكسية، بينما قد يؤدي الإبقاء عليها إلى تكريس واقع أمني وسياسي يحد من قدرة الدولة على توحيد مؤسساتها.


لكن الأزمة الراهنة لا يمكن فهمهاا بمعزل عن طبيعة العلاقة التي تشكلت تاريخيا بين السويداء والسلطة المركزية، فقد احتفظت المحافظة بدرجة من الخصوصية المحلية كما لعبت التشكيلات المسلحة المحلية دورًا بارزًا في توفير الأمن، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة من حكم الأسد. 

وبالتالي، لم تنتقل السويداء بعد سقوط النظام من وضع الدولة المركزية إلى وضع فراغ كامل في السلطة، وإنما انتقلت من ترتيبات أمنية محلية كانت قائمة بالفعل إلى مرحلة أصبح فيها مستقبل تلك الترتيبات موضع خلاف بين دمشق والقوى المحلية.


لكن المشكلة هنا تكمن في اختلاف تعريف الطرفين لمفهوم الاستقرار، فبالنسبة لدمشق، لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل وجود تشكيلات مسلحة مستقلة عن مؤسساتها الرسمية. أما بالنسبة لقطاعات من المجتمع الدرزي، فإن التخلي عن السلاح قبل توافر ضمانات أمنية وسياسية موثوقة قد يعني التخلي عن إحدى أدوات الحماية التي اعتمدت عليها الجماعة خلال سنوات الاضطراب. 

ومن ثم، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بالسلاح وحده، وإنما بأزمة ثقة متبادلة، فدمشق تنظر إلى استمرار التشكيلات المسلحة باعتباره تحديًا لسيادة الدولة، في حين ترى قوى محلية أن دمجها في مؤسسات الدولة دون ضمانات واضحة قد يجعلها أكثر تعرضًا للمخاطر.


في هذا السياق، أدى تصاعد العنف الطائفي خلال عام 2025، ولا سيما المواجهات التي شهدتها السويداء في يوليو إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المحافظة. فقد عززت تلك الأحداث قناعة قطاعات من المجتمع المحلي بأهمية الاحتفاظ بقدرات دفاعية مستقلة، وهو ما ساهم في إعادة تنظيم الفصائل المسلحة الدرزية وتشكيل الحرس الوطني في أغسطس 2025.


هذا التطور يمثل انتقالًا مهما من ظاهرة انتشار مجموعات مسلحة محلية إلى محاولة بناء هيكل أكثر تنظيمًا وقدرة على إدارة المجال الأمني. ولذلك، فإن الحرس الوطني لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره تشكيلًا عسكريًا، بل باعتباره أحد مخرجات الفراغ الأمني والسياسي الذي نشأ خلال المرحلة الانتقالية. 

غير أن هذه البنية تضع دمشق أمام معادلة شديدة التعقيد، فكلما توسعت قدرة الحرس الوطني على إدارة الأمن والحركة داخل المحافظة، اقترب من ممارسة وظائف ترتبط عادة بمؤسسات الدولة. وفي المقابل، كلما حاولت الحكومة المركزية إنهاء هذا الوضع سريعًا، زادت احتمالات تحوله إلى مواجهة مفتوحة ذات أبعاد طائفية وسياسية.


الأهم هنا ان الخلاف لم يعد محصورًا في ترتيبات الأمن المحلي، وإنما بدأ يمتد إلى تصور مختلف لمستقبل المحافظة وعلاقتها بالدولة السورية. فبينما تتمسك دمشق بمبدأ وحدة الدولة وضرورة إخضاع جميع المناطق للسلطة المركزية، ظهرت في المقابل مطالب بدرجات مختلفة من الحكم الذاتي المحلي. وهو ما يرتبط بشكل الدولة السورية مستقبلا وإمكانية إعادة بناء دولة مركزية موحدة أو لامركزية بما يسمح للمكونات المحلية بإدارة جزء أكبر من شؤونها الأمنية والسياسية. 

وهنا يمكن أن يشكل نجاح دمشق في دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة مؤشرًا على إمكانية إعادة بناء الدولة عبر ترتيبات تفاوضية. لكن استمرار حالة السويداء من دون تسوية سياسية قد يشجع مناطق أو مكونات أخرى على المطالبة بترتيبات مماثلة.


على الجانب الأخر، يزداد المشهد تعقيدا بسبب الدور الإسرائيلي في جنوب سوريا، فقد تدخلت إسرائيل عسكريًا خلال أحداث يوليو 2025، معلنة أن تدخلها يستهدف حماية الدروز ومنع اقتراب قوات تعتبرها تهديدًا لأمنها من حدودها، وهو ما يحمل أكثر من دلالة. فمن ناحية، يرتبط بالمكانة التي يحتلها الدروز داخل المجتمع الإسرائيلي، وما يترتب عليها من حساسية تجاه مصير الجماعات الدرزية في الدول المجاورة. 

كما يرتبط هذا الأمر بحسابات أمنية إسرائيلية أوسع تتصل بجنوب سوريا ومرتفعات الجولان ومنع تحول المنطقة إلى مجال لنشاط عسكري تعتبره إسرائيل معاديًا.


وربما يؤدي هذا الدعم الخارجي إلى إضعاف قدرة دمشق على فرض تسوية داخلية مستقلة. وفي المقابل، قد ترى القوى المحلية في التدخل الخارجي وسيلة لتعزيز موقعها التفاوضي والحصول على ضمانات أمنية لا تستطيع دمشق، في المرحلة الراهنة، تقديمها بصورة مقنعة. وهكذا، يسهم الدور الإسرائيلي في تعميق الانقسام إذا لم يتم احتواؤه ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع.


أما مواقف الشيخ حكمت الهجري فتكتسب أهمية خاصة في فهم التطور السياسي للأزمة، فقد انتقل الخطاب المرتبط بمعسكره من التركيز على حماية السويداء إلى طرح تصورات أكثر اتساعًا بشأن وضعها السياسي وعلاقتها بالدولة السورية. لكن يظل ضروريا أن نُمَيّز بين خطاب أحد أبرز الفاعلين المحليين وبين وجود توافق اجتماعي شامل داخل المجتمع الدرزي حول هذه الطروحات.  

ومن ثم، فإن اختزال السويداء في موقف الهجري وحده قد يكون مضللًا، كما أن اختزال الأزمة في صراع بين دمشق والحرس الوطني يتجاهل التعدد داخل المجتمع المحلي نفسه.


على أية حال، فإن حكومة دمشق تواجه معادلة دقيقة؛ ففرض السيطرة بالقوة قد يمنحها مكاسب عسكرية قصيرة الأجل، لكنه يحمل خطر إعادة إشعال العنف الطائفي وتعزيز الاعتماد المحلي على الحماية المسلحة. وفي المقابل، فإن قبول وجود قوة مسلحة مستقلة بصورة دائمة قد يضعف مفهوم السيادة المركزية ويخلق نموذجًا يمكن أن تطالب به مكونات أخرى. لذلك، يبدو أن الخيار الأكثر استدامة لا يكمن في الانتصار العسكري لأحد الطرفين، وإنما في إعادة تعريف العلاقة بين الأمن المحلي والسلطة المركزية.

وقد يتطلب ذلك صيغة مرحلية تسمح بدمج القوى المحلية تدريجيا في منظومة الدولة، مع تقديم ضمانات حقيقية تتعلق بالأمن والتمثيل السياسي، وبالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس أكثر شمولًا. وفي هذا السياق، تصبح الثقة عنصرًا أكثر أهمية من الترتيبات العسكرية نفسها؛ إذ إن نزع السلاح في بيئة يعتقد فيها السكان أنهم مهددون لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يسبق ذلك بناء ضمانات أمنية وسياسية يمكن الوثوق بها. والله أعلم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق