نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"الالتزام البيئي".. حكاية تفتيش بدأت بالعين ونضجت بالبيانات, اليوم الأحد 12 أبريل 2026 02:44 مساءً
بدأت الحكاية بمفتشٍ يحمل كاميرا ونماذج ورقية، ويتجه إلى موقع بلاغٍ عن غبارٍ أو انبعاثات، يعتمد على تنقله بوسائله الخاصة، فيصل متأخرًا عن الحدث، يتأمل الأثر، ويوثّق ما تبقّى منه، لم تكن هناك أنظمة ترصد، ولا بيانات تُحلَّل؛ كانت العين هي الأداة، والخبرة هي المعيار.
تنقل المفتش مع انطلاقة مفهوم الرقابة البيئية بين عشرات المواقع، وقطع عشرات الكيلو مترات بين البوادي والمناطق النائية، في ظروف تفتقر إلى وسائل السلامة المتقدمة، معتمداً على ما يراه، مسجلاً ملاحظاته بيده، ليعود من أجل كتابة تقريره من معاينة مباشرة، في تلك المرحلة، بعد صدور النظام العام للبيئة في 2002، لتنتقل الحكاية من اجتهادات فردية إلى إطار مؤسسي.
يستعيد المهندس سليمان السنقوف، مستشار الرئيس التنفيذي في المركز، ملامح تلك البدايات بوصفها مرحلةً كانت فيها الفرق تنطلق بعد البلاغ، وتتعامل مع النتيجة أكثر من السبب، وفي السياق ذاته، يعكس خليل الحداد، كبير المفتشين، طبيعة العمل آنذاك، حيث كان المفتش هو الأداة الأساسية، في بيئة تخلو من قواعد البيانات وأجهزة القياس الدقيقة.
من مشهد السنقوف، تتقدّم القصة قليلًا، فتبدأ الملامح في التغيّر، يُبتعث مختصون، وتُبنى كفاءات، وتُستجلب معرفة من الخارج، تمرّ المنظومة باختبارات صعبة، وتواجه تحديات بيئية كبرى، فتتعلم وتعيد ترتيب أدواتها.، لم يعد العمل مجرد استجابة، بل بدأ يتشكّل كمسار قابل للتطوير.
وبعد أعوام، يحدث نظام البيئي في عام 2019 وفق أهداف الرؤية 2030 وتبدأ مرحلة التخصص داخل منظومة تشكل لوائحها التنفيذية آلية جديدة للرقابة البيئية آخذة في الاعتبار التزامات المملكة وفق الاتفاقيات الدولية. وينطلق الالتزام البيئي كأحد المراكز الخمسة الوطنية بأنظمة إلكترونية، نقلت مفهوم التفتيش البيئي لمستوى أكثر موثوقية وشفافية بهدف حماية أوساط البيئة الماء والهواء والتربة عبر مسارات واضحة، تحدد فيها المخالفات وفق أثرها البيئي وتأثيرها الكائنات الحية.
تتبدّل المشاهد أكثر؛ تختفي النماذج الورقية تدريجيًا، وتظهر شاشات وأنظمة، تتحول محطات الرصد المحدودة إلى شبكات تراقب الهواء والمياه والتربة لحظيًا. وعلى السواحل، تحلّ الطائرات المسيّرة والعوامات الذكية محل العين المجردة، فتلتقط ما لا يُرى بسهولة.
وهنا يوضح أقدم المفتشين خليل الحداد: سلوك المفتش تغير؛ لم يعد يمرّ على الجميع بالوتيرة نفسها، بل بدأ يختار أولوياته، بعد تحليل البيانات، وتحديد المخاطر. مضيفاً بأن نظام التفتيش المطور بات يوجّه الجهود نحو المواقع الأكثر تأثيرًا، وأصبح قياس الأداء أكثر دقة لمعرفة الأثر السلبي على البيئة ومآلاته.
تصل الحكاية إلى حاضرٍ مختلف؛ حيث فتح نظام الرقابة البيئية باب التعاون للمنشآت ذات الأثر البيئي عبر الرقابة الذاتية بواسطة تقديم تقارير دورية وخطة تصحيح شاملة للمخالفات المتسببة في التلوث بواسطة مقدمي خدمات مرخصين من قبل المركز، وهو ما حقق أهداف استراتيجية البيئة والرؤية في إشراك القطاع الخاص وخلق فرص استثمارية ووظائف نوعية للمواطنين.
تستمر قصة التفتيش البيئي بالتطور عبر الاستعانة بالتقنيات الحديثة للتنبؤ بوقوع الأثر، عبر قراءة المشهد لأي نشاط له أثر سلبي محتمل، هكذا تغيّر المشهد؛ من عينٍ تبحث عن المخالفة، إلى نظامٍ شامل يحد من الضرر البيئي ويعالج التدهور على مقدرات المملكة الطبيعية ويرفع جودة الحياة للإنسان، من خطوةٍ متأخرة، إلى قرارٍ يسبق الحدث.


















0 تعليق