أسوار في واجهات المباني.. ووجوه الناس!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أسوار في واجهات المباني.. ووجوه الناس!, اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026 12:01 صباحاً

أزالت وزارة البيئة والمياه والزراعة السور المحيط ببرج المياه في مدينة بريدة، فكأن البرج الذي شيد قبل أربعين عاما يفتتح اليوم من جديد، وكأننا أمام مولود يستحق الاحتفاء. كل هذا التغيير صنعه غياب سور فقط. لحظتها خطر لي سؤال بسيط: ماذا لو أزلنا الأسوار فعلا؟

دوائر حكومية ما تزال تحاط بأسوار عالية، رغم أن معاملاتها أصبحت الكترونية بالكامل؛ لا أوراق، ولا ملفات، ولا مراجعين يتكدسون كما كان يحدث سابقا. فلماذا السور إذن؟ ومن الذي سيقفز الرصيف ليوقف سيارته في الداخل؟ وحتى لو حدث، فرجال الأمن موجودون على مدار الساعة. لست أتحدث هنا عن تكلفة الأسوار المهدرة، فهذه مسألة واضحة، بل عن المساحة التي تخسرها المدينة، وعن اتساع العين حين ترى المباني مفتوحة على الشارع والناس، تماما كما نجحت المولات والمراكز التجارية في تجنبه، فالمواقف مفتوحة لكنها للأسف بلا تشجير!

حتى المراكز الثقافية تحاط أحيانا بأسوار، رغم أن مهمتها الأولى أن تقول للناس: تفضلوا بالدخول. أما الجامعات فقد تفننت في بناء الأسوار كأنها تعشق خصوصيتها، مع أن معظم مساحاتها ذهبت للمواقف، ولو فتحت وشجرت لبدت أرحب وأكثر حياة. رغم أني على رأي البدر بن عبدالمحسن رحمه الله عندما قال شعرا بالسور «أرفض المسافة والسور والباب والحارس»، مواقف ربما كان الهدف منها التحكم في الموقع، ولا تزال الجهات الأمنية تحقق الهدف بكل اقتدار في المملكة قاطبة. ولا تعجزها مواقف جامعة، وليت الجامعات تسلمها للبلديات للتشجير بعد إزالة السور، ولا تضحك إن قلت لك: إن بعض الحدائق لها أسوار ومواقف خاصة رغم أنها سيدة الأماكن المفتوحة.

حتى البيوت ليست بعيدة عن الفكرة. تشير الإحصاءات إلى أن الأفنية الأمامية في كثير من الفلل تكاد تكون مهجورة، ومع ذلك تستمر الأسوار العالية في حجبها عن الشارع مع أن الحديقة المنزلية المفتوحة تمنح البيت والحي انشراحا بصريا واضحا، يفضل البعض تحويل الفناء الأمامي إلى مستودع مؤقت: ثلاجات معطلة، وبقايا رحلة الأمس، ودراجات أطفال تعيق دخول السيارة، ثم يبدأ النقاش اليومي المعتاد: من وضعها هنا؟

لكن الأسوار ليست دائما من حديد وإسمنت، حياتنا اليومية مليئة بأسوار غير مرئية؛ نفقد الابتسامة العابرة، ونتردد في إلقاء التحية، ونغلق أبواب الحديث في المقاهي والمطاعم وكأن أي اقتراب من الآخرين اقتحام غير مرغوب فيه. رغم أن التجربة تقول شيئا مختلفا تماما: ما إن تبادر بالكلام حتى تكتشف لطف الناس، وتتمنى لو فعلت ذلك منذ وقت أطول.

نضع أسوارا كل يوم في حياتنا الخاصة رغم أننا عابرون في هذه الدنيا وفي هذه الأيام، وتحدث الرحالة الشيخ محمد بن ناصر العبودي عن البرازيل وشعبها وقال عنهم: إنهم يألفون ويؤلفون، وإنهم سهل التحدث معهم بل قد يتحدث معك أحدهم عن يومه وهو لأول مرة يراك وربما دعاك من أول مرة لحفلة باربيكيو، وإنهم يعشقون المساعدة فلا يكفي أن يدلك أحدهم إلى وجهتك التي سألت عنها بل يأخذك بنفسه هناك ويتحدث معك أيضا بكل أريحية، الذي يبدو لي أن البرازيليين شعب لا أسوار لديهم ولا أبواب، وكل حياتهم نوافذ وشرفات يطلون على ما يريدون كما قال درويش «كشرفة منزل، أطل على ما أريد!».

أخبار ذات صلة

0 تعليق