السعودية وإنقاذ لبنان

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السعودية وإنقاذ لبنان, اليوم السبت 13 يونيو 2026 11:39 مساءً

سلبه المقامرون. اختطفه أرباب السوابق. رهنه المستقوون بالسلاح غير القانوني، لمشاريع إقليمية طائفية، أخرجته بمظهر الضعيف المنقوص. دفعوه لساحات الحرب حتى نبذه المحيط والعالم.

سماه أرباب الجمال «سويسرا الشرق». تنوعه ملفت للأنظار. المسيحي يتساوى مع الدرزي. والسني مع الشيعي. سقف الحرية فيه مرتفع إلى أقصى الحدود، إلى أن تم اختطافه بجنح الظلام.

فيما مضى كان لبنان منارة للعالم العربي. في الأدب والثقافة والفن والموسيقى. وحتى الصحافة اللبنانية تعتبر مدرسة مختلفة لها نكهتها الخاصة، خلفت غسان وجبران تويني. وأنجبت سمير عطالله، والمهذب الموجع غسان شربل. الأسماء كثر والمجال لا يتسع للبقية.

الخامس والعشرون من مايو عام 2000 كان نقطة التحول. خرج الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، في أعقاب احتلال دام قرابة 22 عاما - يزيد وينقص -، ردا على هجمات الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل من لبنان.

وقتذاك؛ قفز حزب الله على الوطن، وجير الانسحاب الإسرائيلي لأنشطته، من خلال تصوير أنه انتصار ساحق حققه بمفرده. وهذا فيه كثير من الكذب واستغفال العقل اللبناني والعربي، كيف؟ نجحت الدعاية السياسية التي نفذتها الميليشيا، بإقناع الشارع العربي، بأن ذلك إنجاز حققته للعالم العربي أجمع.

بدليل خروج متظاهرين بعواصم عربية، كالقاهرة والجزائر ودمشق وغيرها مثل قطاع غزة، للتغني بالنصر، هاتفين بعبارات التأييد المطلق لنصر الله، الذي رفعت صوره في تلك المدن، فقط لأنه تمكن من اختراق تلك الشعوب، وفق ما ساقته الآلة الإعلامية الخاصة به والمؤيدة لمشروعه، بأنه دحر العدو التاريخي للعرب دون مساعدة أحد.

والحقيقة لمن يرى ويقرأ التاريخ وفق معطياته المنطقية، سيجد أن خروج إسرائيل من الجنوب اللبناني، تم بمحض إرادتها، وليس بموجب ضغط الحزب وفق روايات مزيفة، أعرفها ويعلم عنها الكثير.

لماذا؟ لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ايهود باراك، غير استراتيجية وتكتيكات جيشه الميدانية، ورأى أن مواجهة الأخطار القادمة من لبنان عن بعد، وفق مفهوم الردع الخارجي، أجدر من الاحتلال، المكلف من الناحية السياسية والعسكرية في آن واحد. وأتت تلك الخطط أكلها، ونفذتها تباعا حكومة بنيامين نتنياهو وسارت عليها، وأسقطت أعداء تل أبيب في بنك أهدافها، واحدا بعد الآخر.

بعيدا عما سبق؛ برأيي، إن لبنان مر بامتحانين تاريخيين قلبا معادلاته السياسية رأسا على عقب. ما هما؟ الأول: اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005. الثاني: الدخول - عبر حزب الله - في الصراع السوري بعد ثورة الشعب بوجه نظام بشار الأسد الدكتاتوري.

هنا انقشع الظلام عن تكتل بالضرورة الافتراضية، أن يكون له ما له وعليه ما عليه، من التقاسم السياسي ما إذا كان طبيعيا، في المشهد اللبناني.

اتضح مع الوقت، أنه مرتبط بالخارج وفق أساسيات طائفية مرتبطة بالخارج، واختار توريط البلاد والعباد، بموجب أوامر الممول الفكري والأيديولوجي والمادي، بدلا عن مشاركة العيش مع الجميع؛ والنأي بالنفس عن أي أزمة قريبة أو بعيدة.

دون شك، إن تلك المنهجية التي اتبعها الورم السرطاني، أخرجت لبنان عن محيطه العربي، وانعكس على انقسام اللبنانيين، بين مؤيد لسياساته ومعارض.

بصراحة، مناهضته لم تكن بالأمر الهين، فقد دفع الآلاف الثمن، وانتهت بهم الحياة، وقضوا نحبهم، وذهبوا ضحية تفجيرات ومفخخات، أزهقت كثيرا من الأرواح.

لست بصدد إجراء جرد حساب للمجرمين، بل للنظر لموقف السعودية الأخير تجاه لبنان، أعقاب أمر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واستئناف الصادرات اللبنانية للسعودية.

السؤال: لماذا هذا الإجراء؟ لعدة أسباب. أولا: لإخراجه - أي لبنان - من مراهنات خاسرة وفق ما تبين سلفا. ثانيا: لأن الرياض تضع الإنسان قبل الدولة. بمعنى أن اللبناني يعني لها أكثر من أي كيان سياسي مهما كان شكله أو طيفه وديانته. ثالثا: لإضفاء أكبر قدر من الشرعية للرئاسة والحكومة، التي أثبتت جديتها لحد كبير، بإعادة الدولة المختطفة للمسار الصحيح.

إن السعودية طبقا لسياستها الخارجية، لا تحرص على البحث عن موطئ قدم، أو نفوذ تجني منه مكاسب قصيرة أو بعيدة المدى. أستطيع الجزم بأنه حين فكر ولي العهد برفع الحظر عن الواردات اللبنانية للمملكة، كان همه الأول إخراج لبنان من عنق الزجاجة، ونفق مظلم خنقها، وجعلها منبوذة أكثر مما يجب لسنوات عديدة مضت.

أتذكر أن السفير السعودي ببيروت حينها علي عواض عسيري، رتب لي زيارة صباح 20 مايو 2014، لرئيس الوزراء تمام سلام في منزله. يسكن قصرا ورثه عن والده عن جده سيد القرنفلة. المنطقة المحيطة تشي بحركة أمل الشيعية. حيث صور الصدر، ورايات يغلب عليها طابع السواد.

هناك مجموعة من النساء أمام أبواب المنزل الكبير. أدخلني مرافقوه، وكأن معي مفتاحا إلهيا. ولجت الطابق الثالث. استقبلني وأمطرته بوابل من الأسئلة الصحفية المشاغبة. قال الرجل «أزمتنا مستمرة. منذ اغتيال الحريري، لدينا خلافات في الرؤى حول قضايا جوهرية. منها السلاح. لبلدنا الصغير سند كبير هو المملكة».

المفارقة؛ لا يزال السلاح باقيا.. ولم تتوان السعودية عن إنقاذ لبنان.

أخبار ذات صلة

0 تعليق