شي جين بينغ في واشنطن ويلتقي ترامب وهو في موقع قوة

القدس العربي 0 تعليق ارسل طباعة

باريس- “القدس العربي”: توقفت صحيفة “لوفيغارو”، الفرنسية عند الزيارة التي بدأها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، بعد أحد عشر عامًا على زيارته السابقة إليها؛ حيث حظي عند وصوله هذا الأربعاء باستقبال لافت من نظيره الأمريكي دونالد ترامب، الذي منحه شرفًا غير معتاد باستقباله شخصيًا على مدرج قاعدة أندروز العسكرية في ولاية ماريلاند، بدلًا من انتظاره في البيت الأبيض، كما جرت العادة مع الزوار الآخرين.

“لوفيغارو”، أشارت إلى مظاهر التكريم التي يحظى بها الرئيس الصيني خلال زيارته الرسمية إلى واشنطن، وهي الأولى منذ عام 2015، تعكس الأهمية التي يوليها الرئيس الأمريكي لهذا اللقاء؛ وأوضحت أنه رغم أن قاعة الاستقبال الجديدة التي يبنيها ترامب مكان الجناح الشرقي للبيت الأبيض ما تزال قيد الإنشاء، فإن الرئيس الأمريكي يريد أن يوفر لنظيره الصيني مراسم فخمة مماثلة لتلك التي حظي بها خلال زيارته إلى بكين في أيار/ مايو الماضي.

ومن المقرر أن تستمر زيارة الدولة ثلاثة أيام، وهي الزيارة الرسمية الثانية التي يمنحها ترامب لزعيم أجنبي خلال ولايته الثانية، على أن تبلغ ذروتها بإقامة مأدبة رسمية في البيت الأبيض يوم الخميس.

فقد تغيرت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بصورة كبيرة منذ آخر زيارة لشي جين بينغ إلى واشنطن، عندما استقبله الرئيس باراك أوباما عام 2015. ففي غضون ما يزيد قليلًا على عقد من الزمن، أصبحت بكين ثاني أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، كما تجاوز حجم الأسطول البحري الصيني عدد سفن البحرية الأمريكية. وتواجه الولايات المتحدة، على الأرجح للمرة الأولى منذ قرن، خصمًا “شبه ندّ” لها، تضيف الصحيفة الفرنسية.

وتتابع “لوفيغارو” موضّحة أن التنافس العسكري والدبلوماسي والاقتصادي والتكنولوجي يجبر البلدين على إدارة علاقة متوترة، مع بذل جهود للحيلولة دون تحولها إلى مواجهة أكثر حدة.

ونقلت الصحيفة عن علي واين، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية والمتخصص في العلاقات الصينية الأمريكية، قوله إن “هذا اللقاء لا ينبغي أن يؤدي إلى اختراق دبلوماسي كبير”.

وأضاف أن “الهدف الرئيسي من هذه الزيارة هو الحفاظ على انفراج تكتيكي في العلاقات بين البلدين، وليس التوصل إلى إعادة ضبط استراتيجية. هناك الكثير من نقاط الاحتكاك والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، بحيث لا يمكن لقمة واحدة على أعلى مستوى أن تعيد تشكيل العلاقة بصورة جوهرية، لكن الحفاظ على هذا الوضع يمثل نجاحًا بحد ذاته”.

الهدف الرئيسي من هذه الزيارة هو الحفاظ على انفراج تكتيكي في العلاقات بين البلدين، وليس التوصل إلى إعادة ضبط استراتيجية

ومضت الصحيفة مشيرة إلى أن خمسة ملفات رئيسية على الأقل من المتوقع أن تهيمن على اللقاء؛ في مقدمتها الملف الاقتصادي، إذ من المنتظر أن يحاول ترامب وشي تمديد الهدنة في حربهما التجارية. هذه الهدنة، التي أوقفت التصعيد المتبادل في فرض الرسوم الجمركية بين البلدين، أُبرمت خلال قمة بوسان في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وكانت المرة الأولى التي تراجع فيها ترامب أمام رد فعل شريك أجنبي على الرسوم التي فرضها.

وقال علي واين إن “للجانبين مصلحة في ذلك”. وأضاف أن “المأزق التجاري الذي شهده العام الماضي أظهر ليس فقط مدى استمرار اعتماد البلدين الاقتصادي المتبادل، وإنما أيضًا حجم الأضرار التي يستطيع كل طرف إلحاقها بالآخر”.

وأوضحت “لوفيغارو” أن ترامب، الذي يواجه انتخابات صعبة في منتصف ولايته، لا يستطيع تحمل اندلاع حرب اقتصادية جديدة مع الصين. كما أن شي جين بينغ، الذي يواجه بدوره مخاوف داخلية تتمثل في تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة وفائض الطاقة الإنتاجية الموجهة للتصدير، لديه أيضًا مصلحة في تمديد الهدنة.

كما أن الذكاء الاصطناعي سيكون كذلك على جدول أعمال المباحثات، ولا سيما في محاولة لوضع إطار لتنظيم تكنولوجيا جديدة تتزايد قدراتها بوتيرة أسية، فيما ما تزال هذه القدرات غير مفهومة بالكامل، إلى جانب تداعياتها التي لا تزال مجهولة، لاسيما في مجال الأمن. ومن الممكن أن يقر ترامب وشي خلال اجتماعهما رسميًا إنشاء هيكل للحوار الأمريكي الصيني بشأن الذكاء الاصطناعي.

قد يُنظم الحوار أيضًا بصورة أكثر هيكلية في المجال الدفاعي، تتابع “لوفيغارو”، مشيرة إلى أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزير الخارجية الصيني وانغ يي ناقشا فتح قنوات جديدة للحوار العسكري، بهدف الحد من مخاطر المواجهة المسلحة، سواء حول تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، حيث تؤدي الأنشطة العسكرية الصينية إلى تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وحلفائها.

وظهر غياب قنوات اتصال مباشرة بين القوات المسلحة للبلدين باعتباره مصدر قلق خلال أحداث سابقة، ولا سيما بعد زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان عام 2022، أو خلال حادثة منطاد التجسس الذي حلق فوق الولايات المتحدة عام 2023.

وتابعت “لوفيغارو” القول إن قضية تايوان، التي تمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة والصين، ستكون أيضًا على الأرجح ضمن الملفات المطروحة في المباحثات. ومن المتوقع أن يحاول شي جين بينغ إقناع ترامب بتعليق أو عرقلة صفقة ضخمة لبيع أسلحة إلى تايوان تبلغ قيمتها 14 مليار دولار، ولم تستكمل الولايات المتحدة إتمامها بعد.

ورغم أنه من غير المرجح أن يتخلى ترامب عن الصفقة بأكملها، أو أن يقبل بتغيير الموقف الأمريكي تجاه تايوان من خلال معارضة استقلال الجزيرة رسميًا، فإن شي يستفيد بالفعل من وجود الرئيس الأمريكي الأقل التزامًا بأمن تايوان، بحسب الصحيفة. وأضافت أن ترامب يتأرجح في هذا الملف بين تأكيدات بأن شي لن يقدم أبدًا على اتخاذ أي إجراء ضد الجزيرة احترامًا للعلاقة الشخصية التي تجمعهما، وبين التشكيك في القدرات الأمريكية على الدفاع عن منطقة تقع على هذا القرب من الصين.

سيحاول ترامب من جانبه الحصول من شي جين بينغ على تقليص دعمه لطهران، وكذلك خفض واردات الصين من النفط الإيراني. ومنذ بداية الحرب ضد إيران، قلل الرئيس الأمريكي من أهمية المساعدة الصينية للجمهورية الإسلامية أو بررها، مشبهًا المساعدة التي تقدمها بكين لإيران بالمساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا، تقول “لوفيغارو”.

لكن الصحيفة رأت أن عودة شي جين بينغ إلى واشنطن، بعد أحد عشر عامًا على زيارته الأولى، تمثل، إلى جانب هذه الملفات الرئيسية، تكريسًا للمكانة التي باتت تحتلها بلاده على الساحة العالمية. ففي عام 2015، كان شي قد وجه الشكر إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدعمه صعود الصين، أما هذه المرة فلم يعد بحاجة إلى توجيه الشكر إلى ترامب.

ونقلت “لوفيغارو” عن علي واين قوله: “رغم كل استعراضاته الكلامية حول أن الولايات المتحدة لم تكن يومًا بهذه الدرجة من الهيمنة، ورغم اعتقاده الظاهر بأنه يمتلك سلطة تقترب من القوة المطلقة على الساحة العالمية، فإن الرئيس ترامب هو أول قائد أعلى أمريكي يعترف بالصين باعتبارها منافسًا شبه ندّ للولايات المتحدة”.

وأضاف واين أن “تحولًا تاريخيًا ربما حدث في أيار/ مايو الماضي، عندما نشر الرئيس ترامب أن مجموعة الدولتين G2 على وشك الاجتماع، في إشارة إلى هيمنة الثنائي على العالم”. وتابع: “من نواحٍ عديدة، وبشكل يفوق بكثير أي إجراء ملموس، كان هذا الاعتراف بالتكافؤ بين الصين والولايات المتحدة من جانب رئيس أمريكي حدثًا رمزيًا بالغ الأهمية”.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق