خضير البورسعيدي… ملك الخط العربي وواجهة الدراما والسينما

منذ ساعة

كمال القاضي

على الرغم من تميزه الواضح كخطاط، يمتلك ناصية الحرف والكلمة وله صيت ذائع، إلا أن البعض لا يعرفه تمام المعرفة، فلا يُحيط بسيرته الذاتية ومشوار نبوغه إلا النخبة من المُهتمين بفنه النوعي الخاص.
إنه مسعد خُضير البورسعيدي، أحد أمهر الخطاطين والرسامين المصريين، بدأت موهبته مُبكراً جداً في مدينة بورسعيد مسقط رأسه، تلك المدينة الباسلة التي شهدت بداياته في سن الطفولة ووثقت مرحلة نضاله ضد المُحتل الإنكليزي، عندما اشتهر وهو صغير بكتابة شعارات المقاومة وعبارات التنديد بالمُحتل الغاصب على الجُدران وواجهات المحلات والميادين والساحات والدروب والأزقة.
كان خضير تلميذاً نجيباً يمتلك وعي الكبار وحسهم الثوري وطاقتهم المُتقدة بالحماس والقوة، تعلم فن الرسم وكتابة الخط على يد أسطوات سبقوه في المهنة والمجال، كان من بينهم شقيقة محمد خضير، لكن الفتى الموهوب لم يتوقف عند حدود التعبير التقليدي عن موهبته كرسام بورتريه وخطاط يمتلك كل مقومات التميز وأدوات الاختلاف، درس الخط دراسة أكاديمية وتعرف على مدارسه ونوعياته، فأتقن كل فنونه ونبغ في تحويله إلى سلاح قوي له تأثير البندقية في المعارك والمواجهات، بيد أنه اتسم في ذات الوقت برهافة حسه الفني وذوقه الرفيع فاضطلع بكتابة وصياغة تترات أشهر المُسلسلات والأفلام والمسرحيات والبرامج.
غير أنه احترف كتابة آيات القرآن الكريم وتدوينها بالمصاحف، فكان ذلك مدعاة لأن يتم الاستعانة به في زخرفة كسوة الكعبة المُشرفة وكتابة ما يليق بها من الآيات وكلمات التسبيح والحمد، فأضاف ذلك إلى رصيده الإبداعي الكثير وساهم في شهرته الدولية والعربية، فانتبهت لموهبته الاستثنائية كل الجهات المعنية فأصبح البورسعيدي عنصراً ثابتاً في كل إبداع له صله بفن الخط العربي وأشكاله وزخارفه وتنويعاته المُبتكرة.
منذ عدة أسابيع استضافته الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها الشهير «معكم منى الشاذلي» فتجدد لقاؤه بجمهور الشاشة الصغيرة الذي لم يكن يعرف الكثير عن أسرار فنه وموهبته ومشواره الإبداعي الطويل.
تحدث الفنان ببساطه مُتناهية عن رحلته مع الخط العربي ومدارسه العديدة، وأشار إلى نوعيات خطوطه المُتميزة، الخط الكوفي والخط الديواني والنسخ والرقعة والخط الثُلث، ويُعد الأخير من أصعب الخطوط، وتتعدد استخداماته في اللوحات الفنية والعناوين والزخرفة. كما يتميز الخط الفارسي بالسيولة والدقة وامتداد الحروف، لذا فهو يُشبه الطائر أثناء طيرانه وتحليقه، وهناك خط يُسمى خط الإجازة وهو المُستخدم عادة في كتابة الشهادات العلمية ويتميز بكونه يجمع بين خط النسخ وخط الثُلث.
لقد تمرس الفنان البورسعيدي الكبير على مزاولة مهنته وفنه وتتلمذ على يد فنانين متخصصين مثل محمد حسني وسيد إبراهيم ومحمد عبد القادر، وحصل على دبلوم الخط العربي من مدرسة خطوط طنطا، كما حصل أيضاً على دبلوم التخصص من مدرسة خليل أغا بالقاهرة.
تولى الفنان عدة مناصب ذات صلة بفنه ورسوماته فعُين مديراً لإدارة الخط العربي بالتلفزيون المصري، ثم رئيس شعبة الخطوط باتحاد الفنانين العرب، ونال عضوية مجلس إدارة الخط العربي بوزارة التربية والتعليم، وحصل على عضوية نقابة التشكيليين منذ إنشائها، وعضوية لجنة التحكيم الدولية باسطنبول في مركز الأبحاث للتأريخ والفنون والثقافة الإسلامية.
قام خُضير أيضاً بالتدريس في مدارس الخط العربي ببورسعيد وباب الشعرية والنصر بطنطا، وكلية الفنون التطبيقية، وأسس أكاديمية للخط العربي حملت اسمه وتولى مهمة الإشراف عليها.
وحظي الفنان بعدة تكريمات محلية ودولية من جامعة أسيوط وبورسعيد ومُنح الوسام الذهبي من مهرجان كاظمة العالمي بالكويت عام 1996، وكرمته الصين بمنحه جائزة الصين في الفن الإسلامي.
ولشيخ الخطاطين، مسعد خُضير البورسعيدي الشهير بخضير البورسعيدي، متحف في منطقة الحُسين بالقاهرة يضم مُقتنياته الفنية ورسوماته وأهم لوحاته الفنية وأدواته والأوسمة والجوائز الدولية والعالمية التي حصل عليها، كما يحتوي المُتحف على أهم اللوحات الفنية الخاصة بتترات أشهر المُسلسلات والأفلام والبرامج التلفزيونية وفوازير رمضان، كمسلسل «ليالي الحلمية» و«الشهد والدموع» وفوازير شريهان ونيللي وسمير غانم، وبرنامج العلم والإيمان وخواطر الشيخ الشعراوي وكثير من الأفلام الشهيرة والمهمة، كفيلم «الكرنك» لسعاد حسني ونور الشريف وفيلم «السوق» وفيلم «اتنين على الطريق» لعادل إمام وشمس البارودي، ومسرحية «مدرسة المُشاغبين» ومسرحية «العيال كبرت» و«ريا وسكينة» وغيرها.
اضطلع الخطاط والرسام الشهير بقراءة مُعظم سيناريوهات الأفلام والمُسلسلات التي كتب التترات الخاصة بها ورسم لوحاتها الفنية للإحاطة بتفاصيلها الدرامية واختيار الخطوط الملائمة لها، وهو دور شاق قام به الفنان المهم ليوثق بجدارة رحلة الفن والإبداع في مصر عن وعي وفهم وذائقة بصرية ورؤية نافذة تُعبر عن موهبته وألقه وعمق تجربته الحياتية والفنية، الطويلة والمديدة والفريدة.
خضير البورسعيدي، فنان استثنائي بالفعل لأنه تعامل مع فن الخط، ليس من منطلق مهني فحسب، وإنما تعامل معه بوصفة رسالة علمية وفنية وإنسانية وحضارية، فترك فنه أثراً بالغاً على المستوى التقني والإبداعي، وازدهرت أعماله وخطوطه فصارت أيقونات باقية وخالدة، تهتدي بها الأجيال وتتعلم منها وتأخذ عن صاحبها ومُبدعها دروساً بليغة في كيفية استخدام الريشة والألوان وصياغة اللغة العربية وخطوطها وإبراز جمالها على نحو مُختلف وغير تقليدي.

✎

فريق تحرير المصطبة نيوز

فريق التحرير في المصطبة نيوز — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق