أحمد مغربي
برهنت البنوك الكويتية على أن متانة القطاع المصرفي المحلي ليست مسألة نظرية أو تقديرا عاما، بل حقيقة رقمية مدعومة بمؤشرات سلامة مالية حافظت على مستويات قوية، بل إنها تحسنت في عدد من البنود الجوهرية بنهاية العام الماضي.
ويبقى المشهد المصرفي المحلي بعيدا عن منطقة القلق، حيث لم تظهر ميزانياته أي اختلالات تهدد الاستقرار، مع احتفاظ البنوك بقاعدة رأسمالية مريحة، وسيولة رقابية مرتفعة، وجودة أصول متماسكة، وقدرة واضحة على امتصاص الصدمات، بما يعكس فاعلية النهج الرقابي والتحوط المصرفي الذي اتبعته البنوك المحلية في إدارة المخاطر.
والقراءة الدقيقة للمقارنة بين عامي 2025 و2024 تؤكد أن القطاع المصرفي يدخل عام 2026 من موقع قوة وليس من موقع دفاع، ففي بند معيار كفاية رأس المال سجلت البنوك 19.1% في 31 ديسمبر 2025، مقابل 19.4% في 31 ديسمبر 2024، بما يعني تراجعا طفيفا مقداره 0.3 نقطة مئوية.
ورغم هذا الانخفاض الطفيف، فإن المؤشر بقي عند مستوى مرتفع يؤكد استمرار امتلاك القطاع المصرفي المحلي قاعدة رأسمالية قوية قادرة على استيعاب المخاطر والخسائر المحتملة، وهو ما يجعل التراجع المسجل أقرب إلى حركة طبيعية ضمن هامش مريح، لا إلى تحول سلبي في متانة القطاع.
أما نسبة الشريحة الأولى لرأس المال إلى قاعدة رأس المال فقد ارتفعت إلى 88.3% بنهاية 2025 مقارنة بـ 87.8% نهاية 2024، وهو تطور إيجابي يعكس تحسنا في جودة مكونات رأس المال، لأن الشريحة الأولى تمثل الجزء الأكثر صلابة وقدرة على امتصاص الخسائر، ويعني ذلك أن البنوك لم تكتف بالحفاظ على قاعدة رأسمالية قوية، بل حسنت من نوعية القاعدة.
وفيما يتعلق بنسبة حقوق المساهمين إلى إجمالي الأصول، بلغت 13.2% في 31 ديسمبر 2025. وعلى مستوى نسبة القروض غير المنتظمة لإجمالي القروض تراجعت النسبة إلى 1.4% بنهاية 2025 مقارنة بـ 1.5% بنهاية 2024، وهو تحسن مباشر في أحد أهم مؤشرات جودة الأصول.
وبالنسبة إلى نسبة صافي القروض غير المنتظمة إلى صافي القروض، انخفضت إلى 0.9% في 31 ديسمبر 2025 مقابل 1% في 31 ديسمبر 2024، وهو تطور إيجابي إضافي يؤكد أن الأثر الصافي للتعثر بعد احتساب المخصصات والضمانات أصبح أقل، وتحسن هذه النسبة على وجه الخصوص يعطي إشارة واضحة إلى قوة المعالجة التحوطية داخل القطاع.
وفي بند نسبة تغطية القروض غير المنتظمة، ارتفعت التغطية إلى 264% بنهاية 2025، مقارنة مع 263.5% بنهاية 2024، ورغم أن الزيادة محدودة وتبلغ 0.5 نقطة مئوية، فإن الأهم أن مستوى التغطية نفسه مرتفع جدا، ويعني أن المخصصات والضمانات المتوافرة لدى البنوك تزيد بأكثر من ضعفي القروض غير المنتظمة.
وفي نسبة السيولة الرقابية، سجلت البنوك تحسنا واضحا، إذ ارتفعت إلى 22.3% في 31 ديسمبر 2025 مقارنة بـ 20.9% في 31 ديسمبر 2024، بزيادة بلغت 1.4 نقطة مئوية، وهذه من أكثر المؤشرات أهمية في المقارنة السنوية، لأنها تعكس زيادة قدرة البنوك على مواجهة الضغوط التمويلية والسحوبات غير المتوقعة، كما تؤكد أن القطاع أنهى العام بوضع سيولي أفضل.
وفي جانب الربحية، بلغ صافي هامش الفائدة إلى 2.9% في نهاية 2025 مقابل 3% في نهاية 2024، بانخفاض طفيف مقداره 0.1 نقطة مئوية، وهذا التراجع المحدود لا يغير من حقيقة أن البنوك لاتزال تحقق هوامش فائدة جيدة، لكنه يعكس ضغوطا نسبية على العوائد أو على تكلفة الأموال مقارنة بالعام السابق.
وسجلت نسبة الدخل الأساسي إلى الدخل التشغيلي إلى 82.8% في 31 ديسمبر 2025 مقابل 83.4% في 31 ديسمبر 2024. ورغم التراجع البسيط، فإن بقاء هذه النسبة فوق مستوى 80% يعكس استمرار اعتماد البنوك على مصادر دخل تشغيلية أساسية ومتكررة، وهو عامل إيجابي من زاوية جودة الإيرادات واستدامتها.
وفي نسبة متوسط الأصول المدرة للفوائد إلى متوسط الأصول، تراجعت النسبة إلى 85.1% في نهاية 2025 مقابل 85.6% في نهاية 2024، وهذا الانخفاض المحدود يشير إلى تراجع طفيف في وزن الأصول المدرة للفوائد ضمن إجمالي الأصول، لكنه لا يخرج المؤشر من مستواه المرتفع، ما يعني أن الجزء الأكبر من أصول البنوك لايزال مولدا للعائد.
وفي بند العائد على متوسط حقوق الملكية، بلغ بنهاية 2025 مستوى 10.5%، وبلغ العائد على متوسط الأصول 1.4%، وهذان المؤشران يؤكدان أن البنوك بقيت رابحة وبمستويات جيدة، لكنها حققت عوائد أقل نسبيا من عام 2024، وهو أمر يمكن قراءته في سياق بيئة تشغيلية أكثر حذرا.
وفيما يتعلق بنسبة المصروفات التشغيلية إلى إجمالي الإيرادات، فقد بلغ 72.1% في 31 ديسمبر 2025. أما نسبة المصروفات من غير الفوائد إلى متوسط الأصول، فقد استقرت عند 1.5% في العامين معا، بما يعكس استقرارا في تكلفة التشغيل غير المرتبطة بالفوائد وعدم وجود ضغوط إضافية كبيرة في هذا الجانب.
والخلاصة ان هذه المؤشرات مجتمعة تشير إلى أن القطاع المصرفي أنهى 2025 بصورة أكثر صلابة من أن تهزها المتغيرات الإقليمية، فبينما شهدت بعض المؤشرات تراجعا نسبيا، تحسنت في المقابل مؤشرات جوهرية ترتبط مباشرة بالاستقرار المالي، وفي مقدمتها جودة الأصول والسيولة وتغطية القروض غير المنتظمة وارتفاع حصة الشريحة الأولى من رأس المال.


















0 تعليق